العيني

31

عمدة القاري

ويحك يا جريج ! كنا نراك خير الناس فأحبلت هذه ؟ اذهبوا به فاصلبوه . وفي حديث عمران : فجعلوا يضربونه ويقولون : مراءٍ تخادع الناس بعملك ؟ وفي رواية الأعرج : فلما مروا به نحو بيت الزواني خرجن ينظرن ، فتبسم ، فقالوا : لم يضحك حتى مر بالزواني . قوله : ( وتوضأ وصلى ) ، وفي رواية وهب بن جرير : فقام وصلى ودعا ، وفي حديث عمران : قال : فتولوا عني ، فتولوا عنه ، فصلى ركعتين ثم أتى الغلام ، أي : ثم أتى جريج الغلام ، فقال له : من أبوك يا غلام ؟ قال أنا ابن الراعي ، وفي رواية أبي رافع : ثم مسح رأس الصبي ، فقال : من أبوك ؟ قال : راعي الضأن ، وفي رواية عند أحمد : فوضع إصبعه على بطنها ، وفي رواية أبي سلمة : فأتى بالمرأة والصبي وفمه في ثديها ، فقال له جريج : يا غلام من أبوك ؟ فنزع الغلام فاه من الثدي ، وقال : أبي راعي الضأن ، وفي رواية الأعرج : فلما أدخل على ملكهم قال جريج أين الصبي الذي ولدته ؟ فأتي به ، فقال له : من أبوك ؟ قال : فلان ، وسمى أباه ، وقد مضى في أواخر الصلاة بلفظ : قال : يابابوس . . . ومرَّ شرحه هناك . وقال الداودي : هذا اسم الغلام ، وفي حديث عمران : ثم انتهى إلى شجرة فأخذ منها غصناً ، ثم أتى الغلام وهو في مهده ، فضربه بذلك الغصن ، فقال : من أبوك ؟ فإن قلت : ما وجه الجمع بين اختلاف هذه الروايات ؟ قلت : لا مانع من وقوع الكل ، فكل روى بما سمع وما قيل بتعدد القصة فبعيد . قوله : ( نبني صومعتك من ذهب ، قال : لا إلاَّ من طين ) . وفي رواية وهب بن جرير : ( إبنوها من طين كما كانت ) ، وفي رواية أبي رافع : ( نبني ما هدمناه من ديرك بالذهب والفضة قال : لا ، ولكن أعيدوه كما كان ، ففعلوا ) . ذكر ما يستفاد منه : فيه إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع ، لأن إجابة الأم واجبة فلا تترك لأجل النافلة ، وقد جاء في حديث يزيد بن حوشب عن أبيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( لو كان جريج فقيهاً لعلم أن إجابة أمه أولى من عبادة ربه ) ، أخرجه الحسن بن سفيان . قلت : قال الذهبي : حوشب بن يزيد الفهري مجهول ، روى عنه ابنه يزيد في ذكر جريج الراهب ، وتمسك بعض الشافعية بظاهر الحديث في جواز قطع الصلاة لإجابة الأم سواء كانت فرضاً أو نفلاً ، والأصح عندهم : أنه على التفصيل ، وهو أن الصلاة إن كانت نفلاً وعلم تأذي الوالد أو الوالدة وجبت الإجابة ، وإن كانت فرضاً وضاق الوقت لم تجب الإجابة ، وإن لم يضق وجبت عند إمام الحرمين ، وخالفه غيره لأنها تلزم بالشروع ، وعند المالكية : إن إجابة الوالد في النافلة أفضل من التمادي فيها ، وحكى القاضي أبو الوليد : أن ذلك يختص بالأم دون الأب ، وبه قال مكحول ، وقيل : لم يقل به من السلف غيره . وفيه : قوة يقين جريج وصحة رجائه لأنه استنطق المولود مع كون العادة أنه لا ينطق ، ولولا صحة رجائه بنطقه لما استنطقه ، وقال ابن بطال : يحتمل أن يكون جريج كان نبياً فتكون معجزة . وفيه : عظم بر الوالدين وإجابة دعائهما ، ولو كان الولد معذوراً لكن يختلف الحال في ذلك بحسب المقاصد وفيه صاحب الصدق مع الله تعالى لا تضره الفتن وفيه اثبات الكرامة للأولياء ووقوع الكرامة لهم باختيارهم وطلبهم . وفيه : جواز الأخذ بالأشد في العبادة لمن يعلم من نفسه قوة على ذلك . وفيه : أن الوضوء لا يختص بهذه الأمة ، خلافاً لمن زعم ذلك ، وإنما الذي يختص بهذه الأمة الغرة والتحجيل في الآخرة . وفيه : أن مرتكب الفاحشة لا تبقى له حرمة . وفيه : أن الفزع في الأمور المهمة إلى الله تعالى يكون بالتوجه إليه في الصلاة ، واستدل بعضهم بهذا الحديث على أن من شرع بني إسرائيل أن المرأة تصدق فيما تدعيه على الرجال من الوطء ، ويلحق به الولد ، وأنه لا ينفع الرجل جحد ذلك إلاَّ بحجة تدفع قولها . قوله : ( وكانت امرأة . . . ) إلى آخره ، قضية أخرى تشبه قضية جريج ( وامرأة ) بالرفع فاعل : كانت ، وهي تامة . قوله : ( فمر بها رجل ) ويروى : إذ مر بها راكب جمل ، وفي رواية أحمد من خلاس عن أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه : فارس متكبر . قوله : ( ذو شارة ) ، بالشين المعجمة وبالراء المخففة أي : ذو حسن وجمال ، وقيل : صاحب هيئة وملبس حسن يتعجب منه ويشار إليه ، وفي رواية خلاس : ( ذو شارة حسنة ) . قوله : ( قال أبو هريرة ) ، رضي الله تعالى عنه ، هو موصول بالإسناد المذكور وفيه المبالغة في إيضاح الخبر بتمثيله بالفعل . قوله : ( ثم مر بأمة ) ، بضم الميم وتشديد الراء على بناء المجهول ، وفي رواية أحمد عن وهب بن جرير : ( بأمة تضرب ) ، وفي رواية الأعرج عن أبي هريرة الآتية في ذكر بني إسرائيل : ( تجرر ويلعب بها ) ، وتجرر بجيم مفتوحة بعدها راء مشددة ثم راء أخرى ، وفي رواية خلاس : ( أنها كانت حبشية أو زنجية وأنها ماتت ، فجروها حتى