العيني

204

عمدة القاري

قال عثمان : يا أيها المرء منك ، يخاطب بذلك عبيد الله بن عدي ، تقديره : أعوذ بالله منك ؟ وقد صرح معمر بذلك في روايته في هجرة الحبشة على ما يأتي ، وأشار إليه ههنا . بقوله : ( قال معمر : أراه قال : أعوذ بالله منك ) أي : قال معمر بن راشد البصري ، وكان قد سكن اليمن . قوله : ( أراه ) أي : أظنه قال : أيها المرء أعوذ بالله منك ، وقال ابن التين : إنما استعاذ منه خشية أن يكلمه بشيء يقتضي الإنكار عليه ، وهو في ذلك معذور فيضيق بذلك صدره . قوله : ( فانصرفت ) أي : من عند عثمان ، رضي الله تعالى عنه . قوله : ( فرجعت إليهم ) أي : إلى المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود ومن كان عندهما ، وفي رواية معمر : فانصرفت فحدثتهما ، أي : المسور وعبد الرحمن بن الأسود ومن كان عندهما ، بالذي قلت لعثمان فقالا قد قضيت الذي عليك . قوله : ( إذ جاء رسول عثمان ) كلمة : إذ ، للمفاجأة ، وفي رواية معمر : فبينما أنا جالس معهما إذ جاء رسول عثمان ، فقال لي : قد ابتلاك الله ، فانطلقت . قوله : ( فأتيته ) أي : فأتيت عثمان ( فقال : ما نصيحتك ؟ ) أراد بها : ما في قوله : لما جاء إليه ، وقال له : إن لي إليك حاجة ، وهي نصيحة لك . قوله : ( فقلت ) ، أشار به إلى تفسير تلك النصيحة بالفاء التفسيرية ، وهي من قوله : ( أن الله سبحانه . . . ) إلى قوله : ( أدركت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ) . قوله : ( وكنت ) ، بفتح تاء الخطاب يخاطب به عثمان ، وكذا بفتح التاء في قوله : ( هاجرت ) ( ورأيت ) وأراد بالهجرتن الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة . قوله : ( ورأيت هديه ) ، بفتح الهاء وسكون الدال : أي : رأيت طريقته . قوله : ( وقد أكثر الناس في شأن الوليد ) ، أي : أكثروا فيه الكلام بسبب شربه الخمر وسوء سيرته ، وزاد معمر في روايته عقيب هذا الكلام : وحق عليك أن تقيم عليه الحد . قوله : ( قال : أدركت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ) ، أي : قال عثمان لعبيد الله بن عدي يخاطب بقوله : أدركت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية معمر : فقال لي : يا ابن أختي ، وفي رواية صالح بن الأخضر عن الزهري عند عمر بن شبه : هل رأيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم قال : لا ، ومراده بالإدراك إدراك السماع والأخذ عنه ، وبالرؤية رؤية المميز له ، ولم يرد نفي الإدراك بالعين ، فإنه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن ماكولا : ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقتل أبوه يوم بدر كافراً ، وقال ابن سعد في طبقة الفتحيين ، والمدائني وعمر بن شبة في ( أخبار المدينة ) : إن هذه القصة المحكية ههنا وقعت لعدي ابن الخيار نفسه مع عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، والله أعلم . قوله : ( قلت : لا ) أي : ما رأيته ، ولكن أدركت زمانه . قوله : ( خلص ) بفتح اللام ، يقال : خلص فلان إلى فلان أي : وصل إليه وضبطه بعضهم بضم اللام ، وأنه غير صحيح ، وفي حديث المعراج ؛ فلما خلصت لمستوىً ، أي : وصلت وبلغت ، وقد ضبط بفتح اللام . قوله : ( إلى العذراء ) ، وهي البكر ، وأراد عبيد الله بن عدي بهذا الكلام : أن علم النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يكن مكتوماً ولا خاصاً ، بل كان شائعاً ذائعاً حتى وصل إلى العذراء المخدرة في بيتها ، فوصوله إليه مع حرصه عليه بالطريق الأولى . قوله : ( كما قلت ) ، بفتح التاء خطاب لعبيد الله بن عدي ، وجه التشبيه فيه بيان حال وصول علم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يعني : كما وصل علم الشريعة إليها من وراء الحجاب ، فوصوله إليه بالطريق الأحرى . قوله : ( ثم أبو بكر مثله ) ، أراد : ثم صحبت أبا بكر ، رضي الله تعالى عنه ، وما عصيته وما غششته مثل ما فعلت مع النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( ثم عمر مثله ) ، يعني : ثم صحبت عمر أيضاً ، فما فعلت شيئاً من ذلك . قوله : ( ثم استخلفت ) ، على صيغة المجهول . قوله : ( أفليس لي ؟ ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار ، أي : أفليس لي عليكم من الحق مثل الذي كان لهم علي ؟ قوله : ( قلت : بلى ) ، القائل هو عبيد الله بن عدي . قوله : ( فما هذه الأحاديث ؟ ) جمع : أحدوثة ، وهي ما يتحدث به ، وهي التي كانوا يتكلمون بها من تأخيره إقامة الحد على الوليد . قوله : ( ثم دعا علياً ) ، هو : علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه . ( فأمره أن يجلده ) أي : فأمر عثمان علياً أن يجلد الوليد بن عقبة ، ويجلده ، بالضمير المنصوب في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : أن يجلد ، بلا ضميره . قوله : ( فجلده ثمانين ) ، وفي رواية معمر : فجلد الوليد أربعين جلدة ، قيل : هذه الرواية أصح من رواية يونس ، والوهم فيه من الراوي عنه شبيب بن سعيد ، والمرجح لرواية معمر ما رواه مسلم من طريق أبي ساسان ، قال : شهدت عثمان أتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ، ثم قال : أزيدكم ، فشهد عليه رجلان . أحدهما : حمران ، يعني مولى عثمان بن عفان : أنه قد شرب الخمر ، فقال عثمان : قم يا علي فاجلده ، فقال علي : قم يا حسن ، فاجلده ، فقال الحسن :