العيني
161
عمدة القاري
وجه المطابقة قد ذكرناه الآن . والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المحاربين عن إسماعيل بن أبي أويس ، وأخرجه مسلم في الحدود عن أبي الطاهر ، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك به . وأخرجه الترمذي فيه عن إسحاق بن موسى عن معمر عنه به مختصراً . وأخرجه النسائي في الرجم عن قتيبة عنه بتمامه . قوله : ( فذكروا له ) أي : للنبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( أن رجلاً منهم ) أي : من اليهود ( وامرأة زنيا ) وفي رواية مسلم عن ابن عمر : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم رجم في الزنا يهوديين : رجل وامرأة زنيا ، فأتت اليهود إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم بهما . . . الحديث . قوله : ( ما تجدون في التوراة ؟ ) هذا السؤال ليس لتقليدهم ، ولا لمعرفة الحكم منهم ، وإنما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم ، ولعله صلى الله عليه وسلم قد أوحي إليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما غيروا أشياء ، أو أنه أخبره بذلك من أسلم منهم ، ولذلك لم يخف عليه حين كتموه . قوله : ( في شأن الرجم ) أي : في أمره وحكمه . قوله : ( فقالوا : نفضحهم ) أي : نكشف مساويهم ، والاسم الفضيحة من : فضح فلان فلاناً إذا كشف مساويه ، وبينهما للناس ، وفي رواية مسلم : ( نسوّد وجوههما ونحملهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما ) . قوله : ( ونحملهما ) ، بالحاء واللاّم في أكثر الروايات ، وفي بعضها : ( نجملهما ) بالجيم المفتوحة ، وفي بعضها : ( نحممهما ) ، بميمين وكله متقارب ، فمعنى : نحملهما يعني على الجمل ، ومعنى الثاني : نجعلهما جميعاً على الجمل ، ومعنى الثالث : نسود وجوههما بالحمم ، بضم الحاء وفتح الميم وهو : الفحم . قوله : ( فقال عبد الله بن سلام ) ، بتخفيف اللاّم : ابن الحارث وهو إسرائيلي من بني قينقاع وهو من ولد يوسف الصديق وكان اسمه في الجاهلية الحصين فغيروه ، وكان حليف الأنصار ، مات سنة ثلاث وأربعين في ولاية معاوية بالمدينة ، شهد له الشارع بالجنة . قوله : ( أن فيها ) أي : أن في التوراة ( الرجم على الزاني ) قوله : ( فوضع أحدهم ) أي أحد اليهود ، هو عبد الله بن صوريا الأعور ، وقال المنذري : إنه ابن صوري ، وقيده بعضهم بكسر الصاد . قوله : ( يحنأ ) ، بفتح الياء آخر الحروف وسكون الحاء المهملة وفتح النون وبالهمزة في آخره ، قال الخطابي : من حنيت الشيء أحنيه إذا غطيته ، والمحفوظ بالجيم والهمزة من : جنأ الرجل على الشيء يجنأ إذا أكب عليه ، قيل : فيه سبع روايات كلها راجعة إلى الوقاية . قوله : ( يقيها ) ، من وقى يقي وقاية ، وهو الحفظ من وصول الحجارة إليها . ذكر ما يستفاد منه فمنه : أن الشافعي وأحمد احتجا به أن الإسلام ليس بشرط في الإحصان ، وبه قال أبو يوسف ، وعند أبي حنيفة ومحمد : من شروط الإحصان الإسلام ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من أشرك بالله فليس بمحصن ) ، والجواب عن الحديث أن ذلك كان يحكم التوراة قبل نزول آية الجلد في أول ما دخل صلى الله عليه وسلم المدينة ، فصار منسوخاً بها . ومنه : وجوب حد الزنا على الكافر ومنه أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع وفيه خلاف فقيل لا يخاطبون بها وقيل هم مخاطبون بالنهي دون الأمر ومنه : أن الكفار إذا تحاكموا إلينا حكم القاضي بينهم بحكم شرعنا ، قاله النووي . قلت : اختلف العلماء في الحكم بينهم إذا ارتفعوا إلينا أواجب علينا أم نحن فيه مخيرون ؟ فقالت جماعة من فقهاء الحجاز والعراق : إن الإمام أو الحاكم مخير ، إن شاء حكم بينهم إذا تحاكموا إليه بحكم الإسلام ، وإن شاء أعرض عنهم ، وممن قال ذلك مالك والشافعي في أحد قوليه ، وهو قول عطاء والشعبي والنخعي ، وروي عن ابن عباس في قوله : * ( فإن جاؤوك ) * ( المائدة : 24 ) . قال : نزلت في بني قريظة ، وهي محكمة : قال عامر والنخعي : إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم ، وقال ابن القاسم : إن تحاكم أهل الذمة إلى حاكم المسلمين ورضي الخصمان به جميعاً فلا يحكم بينهما إلاَّ برضا من أساقفهما ، فإن كره ذلك أساقفهم ، فلا يحكم بينهم ، وكذلك إن رضي الأساقفة ولم يرض الخصمان أو أحدهما لم يحكم بينهما ، وقال الزهري : مضت النسة أن يرد أهل الذمة في حقوقهم ومعاملاتهم ومواريثهم إلى أهل دينهم إلاَّ أن يأتوا راغبين في حكمنا فنحكم بينهم بكتاب الله تعالى . وقال آخرون : واجب على الحاكم أن يحكم بينهم إذا تحاكموا إليه بحكم الله تعالى ، وزعموا أن قوله تعالى : * ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) * ( المائدة : 94 ) . ناسخ للتخيير في الحكم بينهم في الآية التي قبل هذه ، روي ذلك عن ابن عباس من حديث سفيان بن حسين ، والحكم عن مجاهد عنه ، ومنهم من يرويه عن سفيان والحكم عن مجاهد ، قوله : وهو صحيح عن مجاهد وعكرمة وبه قال الزهري وعمر ابن عبد العزيز والسدي ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه ، وهو أحد قولي الشافعي ، إلاَّ أن أبا حنيفة ، قال إذا جاءت المرأة والزوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل ، وإن جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزوج لم يحكم ، وقال صاحباه : يحكم ، وكذا أختلف أصحاب مالك .