العيني
13
عمدة القاري
قوله : ( إلى قوله : الشكور ) ، بعني ، إقرأ إلى قوله : الشكور ، وهو قوله : * ( اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور ) * ( سبإ : 31 ) . قال النسفي : أي : وقلنا : اعملوا شكراً ، يعني : اعملوا بطاعة الله يا آل داود شكراً على نعمه ، وشكراً في محل المصدر على تقدير : اشكروا شكراً ، لأن اعملوا فيه معنى : اشكروا من حيث أن معنى العمل فيه للمنعم شكر له ، وقيل : انتصب : شكراً ، على أنه مفعول له ، أي : اعملوا لله واعبدوه ، على وجه الشكر لنعمائه ، وقيل : انتصب على الحال ، أي : شاكرين ، وقيل : يجوز أن ينتصب : باعملوا ، مفعولاً به ، معناه : أنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً ، على طريق المشاكلة . قوله : ( الشكور ) ، المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه فيه ، قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعتقاداً واعترافاً . وعن ابن عباس : الشكور من يشكر على أحواله كلها ، وقال السدي : هو من يشكر على الشكر ، وقيل : من يرى عجزه عن الشكر . * ( فلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ المَوْتَ ما دلَّهُمْ علَى مَوْتِهِ إلاَّ دَابَّةُ الأرْضِ . الأرَضَةُ تأكُلُ مِنْسَأتَهُ عَصاهُ فلَمَّا خَرَّ ) * إلى قَوْلِهِ * ( المُهِينِ ) * ( سبأ : 31 41 ) . أي : فلما حكمنا على سليمان بالموت ما دل الجن على موته إلاَّ دابة الأرض وهي الأرض ، وهي دويبة تأكل الخشب . قوله : ( منسأته ) أي : عصاه . قوله : ( فلما خر ) ، أي : سقط سليمان ميتاً . قوله : ( إلى قوله : المهين ) ، يعني : اقرأ إلى قوله : المهين ، وهو قوله تعالى : * ( تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) * ( سبإ : 31 41 ) . قوله : ( تبينت الجن ) جواب : لما ، أي : لما علمت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب وكانوا يدعون أنهم يعلمون الغيب . قوله : ( في العذاب المهين ) ، أي : في العذاب الذي يهين المعذب ، يعني : ما عملوا مسخرين وهو ميت وهم يظنونه حياً . حُبُّ الخَيْرِ عنْ ذِكْرِ رَبِّي مِنْ ذِكْرِ رَبِّي أشار به إلى ما في قوله تعالى : * ( فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ) * ( ص 1764 ; : 23 ) . قوله : ( حب الخير ) ، قال الفراء : الخيل والخير بمعنى في كلام العرب ، والنبي صلى الله عليه وسلم سمى زيد الخيل : زيد الخير ، والخير : المال أيضاً . قوله : ( عن ذكر ربي ) ، قال قتادة : عن صلاة العصر . قوله : ( حتى توارت ) ، يعني : الشمس ، أي : غابت بالحجاب وهو جبل دون القاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه ، قيل : معناه حتى استترت الشمس بما يحجبها عن الأبصار ، والإضمار قبل الذكر يجوز إذا جرى ذكر الشيء أو دليل الذكر ، وقد جرى هنا ، وهو قوله : بالعشي ، وهو ما بعد الزوال . فَطَفِقَ مَسْحَاً بالسُّوقِ والأعناق يَمْسَحُ أعْرَافَ الخَيْلِ وعَرَاقِيبَهَا أول الآية : * ( ردوها علي ) * ( ص 1764 ; : 13 ) . وهي المذكورة قبله بقوله : * ( إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد ) * ( ص 1764 ; : 13 ) . وكان سليمان ، عليه الصلاة والسلام ، صلى الصلاة الأولى ثم قعد على الكرسي وهي تعرض عليه ، فعرضت عليه منها تسعمائة وكانت ألفاً ، وكان سليمان غزا دمشق ونصيبين فأصاب منها ألف فرس ، وقال مقاتل : ورث سليمان عن أبيه داود ألف فرس ، وكان أبوه أصابها من العمالقة ، وقال الحسن : بلغني أنها كانت خيلاً خرجت من البحر لها أجنحة ، وقبل أن يكمل العرض غربت الشمس ففاتته صلاة العصر ولم يعلم بذلك فاغتم لذلك ، فقال : * ( ردوها علي فطفق مسحاً ) * ( ص 1764 ; : 13 ) . أي : فأقبل يمسح بسوقها وأعناقها بالسيف وينحرها تقرباً إلى الله تعالى وطلباً لرضاه حيث اشتغل بها عن طاعته . قوله : ( يمسح أعراف الخيل وعراقيبها ) ، والعراقيب جمع عرقوب ، وهو العصب الغليظ عند عقب الإنسان . والأصْفَادِ الوَثاقُ أشار به إلى ما في قوله تعالى : * ( وآخرين مقرنين في الأصفاد ) * ( ص 1764 ; : 83 ) . وفسر الأصفاد بالوثاق ، وروى ابن جرير من طريق السدي ، قال : مقرنين في الأصفاد : أن تجمع اليدان إلى العنق بالأغلال ، وقال أبو عبيدة : الأصفاد والأغلال واحدها صفد ، ويقال للعطاء أيضاً : صفد . قوله : * ( وآخرين ) * ( ص 1764 ; : 83 ) . عطف على قوله : * ( الشياطين ) * ( ص 1764 ; : 83 ) . أي : سخرنا له الشياطين وسخرنا له آخرين ، يعني : مردة الشياطين مقرنين في الأصفاد ، يقال : صفده أي : شده وأوثقه .