العيني
69
عمدة القاري
من قال : لاها الله إذا ، فقد أخطأ ، إنما هو : لاها الله ذا ، وقال الجوهري : ها ، للتنبيه ، وقد يقسم بها يقال : لاها الله ما فعلت ، وقولهم : لاها الله ذا ، أن أصله : لا والله هذا ، ففرقت بين : ها وذا ، وتقديره : لا والله ما فعلت هذا ، وقال الكرماني المعنى صحيح على لفظ : إذاً ، يعني بالتنوين جواباً وجزاءً ، وتقديره : لا والله إذا صدق لا يكون أو لا يعمد ، ويروى برفع : الله ، مبتدأ و : ها ، للتنبيه ، و : لا يعمد ، خبره ، قوله : ( يعمد ) بالياء آخر الحروف وبالنون أيضاً ، وكذلك ( يعطيك ) بالياء والنون أي : لا يقصد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم إلى رجل كالأسد يقاتل عن جهة الله ورسوله نصرة في الدين فيأخذ حقه . قوله : ( يعطيك ) أي : لا يعطيك أيها الرجل المسترضي حق أبي قتادة لا والله كيف وهو أسد الله ؟ قوله : ( إلى أسَدٍ مِن أُسْدِ الله ) ، الأول بفتحتين مفرد ، والثاني ، بضم الهمزة وسكون السين جمع أسد ، ( فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق ) . أي : أبو بكر . قوله : ( فأعطاه ) أي : فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أبا قتادة الدرع ، ومقتضى الظاهر أن يقول : فأعطاني ، فعدل إلى الغيبة التفاتاً أو تجريداً ، وهو مفعول ثان ، والأول محذوف ، وإنما أعطاه بلا بينة لأنه ، صلى الله عليه وسلم ، لعله علم أنه القاتل بطريق من الطرق ، ولا يقال : إن أبا قتادة استحق السلب بإقرار من هو في يده ، لأن المال كان منسوباً إلى الجيش جميعهم ، فلا اعتبار لإقراره . قوله : ( فابتعت به مخرفاً ) ، أي : اشتريت بالدرع ، أي : بثمنه إن كان باعه ، والمخرف ، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء بعدها فاء ، وهو البستان ، وقيل : الحائط من النخل يخرف فيه الرطب ، أي : يجتنى . قوله : ( في بني سلمة ) بكسر اللام . قوله : ( تأثلته ) ، أي : جمعته ، وهو من باب التفعل ، فيه معنى التكلف مأخوذ من الأثلة ، وهو الأصل ، أي : اتخذته أصلاً للمال ، ومادته : همزة وثاء مثلثة ولام ، يقال : مال مؤثل ومجد مؤثل ، أي : مجموع ذو أصل . ذكر ما يستفاد منه : احتج به من قال : إن السلب من رأس الغنيمة لا من الخمس ، لأن إعطاءه صلى الله عليه وسلم أبا قتادة كان قبل القسمة لأنه نقل حين برد القتال ، وأجاب أصحابنا ومالك عنه ، فقال : هذا حجة لنا لأنه إنما قال ذلك بعد تقضي الحرب ، وقد حيزت الغنائم ، وهذه حالة قد سبق فيها مقدار حق الغانمين ، وهو الأربعة الأخماس على ما أوجبها الله لهم ، فينبغي أن يكون من الخمس . وقال القرطبي : هذا الحديث أدل دليل على صحة مذهب مالك وأبي حنيفة ، وزعم من خالفنا أن هذا الحديث منسوخ بما قاله يوم حنين ، وهو فاسد لوجهين . الأول : أن الجمع بينهما ممكن ، فلا نسخ . الثاني : روى أهل السير وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال يوم بدر : من قتل قتيلاً فله سلبه ، كما قاله يوم حنين ، وغايته أن يكون من باب تخصيص العموم . وفيه : أن ( لاها الله ) ، يمين ، ولكنهم قالوا : إنه كناية ، إن نوى بها اليمين كانت يميناً ، وإلاَّ فلا . قلت : ظاهر الحديث يدل على أنه يمين . وفيه : جواز كلام الوزير ورد مسائل الأمير قبل أن يعلم جواب الأمير ، كما فعله أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه ، حين قال : ( لاها الله ) . وفيه : إذا ادعى رجل أنه قتل رجلاً بعينه ، وادعى سلبه هل يعطى له ؟ فقالت طائفة : لا بد من البينة ، فإن أصاب أحداً فلا بد أن يحلف معه ويأخذه ، واحتجوا بظاهر هذا الحديث ، وبه قال الليث والشافعي وجماعة من أهل الحديث ، وقال الأوزاعي : لا يحتاج إليها ويعطى بقوله . وفيه : من استدل به على دخول من لا سهم له في عموم قوله : من قتل قتيلاً ، وعن الشافعي : لا يستحق السلب إلاَّ من استحق السهم ، وبه قال مالك ، لأنه إذا لم يستحق السهم فلأن لا يستحق السلب بالطريق الأولى ، ورد بأن السهم علق على المظنة ، والسلب يستحق بالفعل فهو أولى ، وهذا هو الأصح . وفيه : أن السلب مستحق للقاتل الذي أثخنه بالقتل دون من وقف عليه . وفيه : أن السلب مستحق للقاتل من كل مقتول حتى لو كان المقتول امرأة ، وبه قال أبو ثور وابن المنذر ، وقال الجمهور : شرطه أن يكون المقتول من المقاتلة ، وقال ابن قدامة : ويجوز أن يسلب القتلى ويتركهم عراة ، قاله الأوزاعي ، وكرهه الثوري وابن المنذر . 91 ( ( بابُ ما كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْطِي المُؤلَّفَةَ قُلوبُهُمْ وغَيْرَهُمْ مِنَ الخُمْسِ ونَحْوهِ ) ) أي : هذا باب في بيان ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وهم ضعفاء النية في الإسلام وشرفاء يتوقع بإسلامهم إسلام نظرائهم . قوله : ( وغيرهم ) ، أي : المؤلفة قلوبهم ممن يظهر له المصلحة في إعطائه . قوله : ( ونحوه ) ، أي : ونحو الخمس ، وهو مال الخراج والجزية والفيء .