العيني

67

عمدة القاري

أثخنه تطييباً لقلب الآخر من حيث إن له مشاركة في القتل . قوله : ( سلبه ) أي : سلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح ، وإنما حكم له مع أنهما اشتركا في القتل لأن القتل الشرعي الذي يتعلق به استحقاق السلب هو الإثخان ، وهو إنما وجد منه ، وقال الإسماعيلي : إن الأنصاريين ضرباه فأثخناه وبلغا به المبلغ الذي يعلم أنه لا يجوز بقاؤه على تلك الحال إلاَّ قدر ما يطفأ ، فدل قوله : كلاكما قتله ، على أن كلاًّ منهما وصل إلى قطع الحشوة وإبانتها ، وبه يعلم أن عمل كل من سيفيهما كعمل الآخر ، غير أن أحدهما سبق بالضرب فصار في حكم المثبت لجراحه حتى وقعت به ضربة الثاني فاشتركا في القتل ، إلاَّ أن أحدهما قتله وهو ممتنع والآخر قتله وهو مثبت ، فلذلك قضى بالسلب للسابق إلى إثخانه . ولما روى الطحاوي هذا الحديث قال فيه : دليل على أن السلب لو كان واجباً للقاتل بقتله إياه لكان وجب سلبه لهما ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ، ينتزعه من أحدهما فيدفعه إلى الآخر إلاَّ يرى أن الإمام لو قال : من قتل قتيلاً فله سلبه ، وقتل رجلان قتيلاً إن سلبه لهما ، نصفان ، وأنه ليس للإمام أن يحرم أحدهما ويدفعه إلى الآخر ، لأن كل واحد منهما له فيه من الحق مثل ما لصاحبه ، وهما أولى به من الإمام ، فلما كان للنبي صلى الله عليه وسلم ، في سلب أبي جهل أن يجعله لأحدهما دون الآخر دل ذلك أنه كان أولى به منهما ، لأنه لم يكن قال يومئذ : من قتل قتيلاً فله سلبه . وقال أيضاً : إن سلب المقتول لا يجب للقاتل بقتله صاحبه إلاَّ أن يجعل الإمام إياه له على ما فيه صلاح المسلمين من التحريض على قتال عدوهم . قوله : ( وكانا ) أي : الغلامان المذكوران من الأنصار : معاذ بن عفراء ومعاذ عمرو بن الجموح . أما معاذ بن عفراء ، بفتح العين المهملة وسكون الفاء وبالراء وبالمد : وهي أمه عفراء بنت عبيد بن ثعلبة ابن غنم بن مالك بن النجار ، وهو معاذ بن الحارث بن رفاعة بن سواد ، وهكذا قاله محمد بن إسحاق ، وقال ابن هشام : هو معاذ ابن الحارث بن عفراء بن سواد بن مالك بن النجار ، وقال موسى بن عقبة : معاذ بن الحارث بن رفاعة بن الحارث ، شهد بدراً هو وأخواه عوف ومعوذ بنو عفراء ، وهم بنو الحارث بن رفاعة ، وقال أبو عمر : ولمعاذ بن عفراء رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر ، مات في خلافة علي رضي الله تعالى عنه . وأما معاذ : بن عمرو بن الجموح ، فالجموح ابن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعيد بن علي بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج السلمي الخزرجي الأنصاري ، شهد العقبة وبدراً هو وأبوه عمرو ، وقتل عمرو بن الجموح ، رضي الله تعالى عنه يوم أحد ، وذكر ابن هشام عن زياد عن ابن إسحاق : أنه الذي قطع رجل أبي جهل بن هشام وصرعه ، وقال : وضرب ابنه عكرمة بن أبي جهل يد معاذ فطرحها ، ثم ضربه معوذ بن عفراء حتى أثبته وتركه وبه رمق ، ثم وقف عليه عبد الله بن مسعود واحتز رأسه حين أمره رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن يلتمسه في القتلى ، وفي ( صحيح مسلم ) ابن ابني عفراء ضرباه حتى برد ، بالدال : أي مات . وفي رواية : ( حتى برك ) ، بالكاف أي : سقط على الأرض ، وكذا في البخاري في : باب قتل أبي جهل ، وادعى القرطبي أنه وهم ، التبس على بعض الرواة معاذ بن الجموح بمعاذ بن عفراء ، وقال ابن الجوزي : ابن الجموح ليس من ولد عفراء ، ومعاذ بن عفراء ممن باشر قتل أبي جهل ، فلعل بعض إخوته حضره أو أعمامه ، أو يكون الحديث : ابن عفراء ، فغلط الراوي فقال : ابنا عفراء ، وقال أبو عمر : أصح من هذا حديث أنس بن مالك : أن ابن عفراء قتله ، وقال ابن التين : يحتمل أن يكونا أخوين لأم ، أو يكون بينهما رضاع ، وقال الداودي : ابنا عفراء : سهل وسهيل ، ويقال : معوذ ومعاذ ، وروى الحاكم في ( إكليله ) من حديث الشعبي عن عبد الرحمن ابن عوف حمل : رجل كان مع أبي جهل على ابن عفراء فقتله ، فحمل ابن عفراء الآخر على الذي قتل أخاه فقتله ، ومر ابن مسعود على أبي جهل ، فقال : الحمد لله الذي أعز الإسلام ، فقال أبو جهل : تشتمني يا رويعي هذيل ؟ فقال : نعم والله ، وأقتلك فحذفه أبو جهل بسيفه ، وقال : دونك هذا إذاً ، فأخذه عبد الله فضربه حتى قتله ، وقاال : يا رسول الله ! قتلت أبا جهل ! فقال : الله الذي لا إل 1764 ; ه إلاَّ هو ، فحلف له ، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم بيده ثم انطلق معه حتى أراه إياه ، فقام عنده ، وقال : الحمد لله الذي أعز الإسلام وأهله ، ثلاث مرات ، والتوفيق بين هذه الروايات : إثبات الاشتراك في قتل أبي جهل ، ولكن السلب ما ثبت إلاَّ لِلَّذِي أثخنه ، على ما مر ، فافهم .