العيني
312
عمدة القاري
مَكانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ واحِدٌ هذا فيه نظر ، لأن في قصة شعيب هكذا : * ( ويا قوم اعملوا على مكانتكم ) * ( الأنعام : 531 ، هود : 39 ، والزمر : 93 ) . بمعنى : مكانكم ، وأما مكانتهم ففي سورة يس وهو قوله : * ( ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم ) * ( يس : 76 ) . وفي التفسير : المكانة والمكان واحد ، كالمقامة والمقام . يَغْنَوْا يَعِيشُوا أشار به إلى ما في قوله تعالى : * ( كأن لم يغنوا فيها ) * ( هود : 86 ، 96 ) . ثم فسره بقوله : يعيشوا ، لأنه لما ذكر يغنوا بدون : لم ، فسر : يعيشوا أيضاً بدون : لم ، والأصل ، كأن لم يغنوا فيها ، أي : لم يعيشوا ولم يقيموا بها . تَأسَ تَحْزَنُ أشار به إلى ما في قوله تعالى : * ( فلا تأس على القوم الفاسقين ) * ( المائدة : 62 ) . وفسر تأس بقوله : ؛ تحزن ، ولم يذكر لفظ : لا ، فيها وذكر هذا ليس في محله لأنه في قصة موسى ، عليه الصلاة والسلام . آسَى أحْزَنُ أشار به إلى ما في قوله تعالى : * ( فكيف آسى على قوم كافرين ) * ( الأعراف : 39 ) . وفسر : آسى ، بقوله : إحزن ، والمعنى : كيف أحزن وأتندم وأتوجع ؟ وقال الحَسَنُ * ( إنَّكَ لأَنْتَ الحَلِيمُ الرِّشِيدُ ) * ( هود : 78 ) . يَسْتَهْزِؤنَ بهِ أي : قال الحسن البصري في قوله تعالى : * ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) * ( هود : 78 ) . يستهزؤن به : يعني أنهم عكسوا على سبيل الاستعارة التهكمية إذ غرضهم : أنت السفيه الغوي لا الحليم الرشيد ، ووصل ذلك ابن أبي حاتم من طريق أبي المليح عنه . قوله : ( به ) أي : بشعيب . وقال مُجَاهِدٌ لَيْكَةُ الأيْكَةُ أشار به إلى ما في قوله تعالى : * ( كذب أصحاب الأيكة المرسلين ) * ( الشعراء : 671 ) . قرأ بعضهم : ليكة ، باللاَّم على وزن : ليلة ، فقال مجاهد : هو نفس الأيكة ، وقال الرشاطي : الأيكة كانت منازل قوم شعيب ، عليه الصلاة والسلام ، من ساحل البحر إلى مدين ، وكان شجرهم المقل والأيكة عند أهل اللغة الشجر الملتف ، وكانوا أصحاب شجر ملتف ، ويقال : الأيكة الغيضة ، وليكة اسم البلد حولها ، كما قبل مكة : بكة ، وقال أبو جعفر النحاس : ولا يعلم ليكة اسم بلد . يَوْمَ الظِّلَّةِ إظْلاَلُ الغَمامِ العَذَابِ عَلَيْهِمْ أشار به إلى ما في قوله تعالى : * ( فأخذهم عذاب يوم الظلة ) * ( الشعراء : 981 ) . يروى أنه حبس عنهم الهواء وسلط عليهم الحر فأخذ بأنفاسهم فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية ، فأظلتهم سحابة وجدوا لها برداً ونسيماً ، فاجتمعوا تحتها ، فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا . فكان شعيب ، عليه الصلاة والسلام ، مبعوثاً إلى أصحاب مدين وأصحاب الأية ، فأهلكت مدين بصيحة حبريل ، عليه الصلاة والسلام ، وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة . واعلم أن البخاري لم يذكر في هذا الباب غير تفسير الألفاظ المذكورة فيه ، ولم يقع هذا أيضاً إلاَّ في رواية المستملي والكشميهني .