العيني

265

عمدة القاري

ذكر معناه : قوله : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ ) إخبار ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، بقوله : كان ، يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يكثر التعويذ بقوله : أعوذ بكلمات الله التامة . . . إلى آخره . قوله : ( يعوذ ، من التعويذ ) ، يقال : عذت به أعوذ عوذاً وعياذاً ومعاذاً أي : لجأت إليه ، فالتعوذ والاستعاذة والتعويذ كلها بمعنى واحد ، يعني : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين بقوله : أعوذ بكلمات الله التامة إلى آخره ، ويقول لهما : إن أباكما كان يعوذ بها ، أي : بهذه الكلمات إسماعيل وإسحاق أبنيه ، وبين هذه الكلمات بقوله : أعوذ بكلمات الله . . . إلى آخره . قوله : ( إن أباكما ) أراد به إبراهيم كما ذكرنا ، وأضيف إليهما لأنهما من نسله . قوله : ( بكلمات الله ) إما باقية على عمومها فالمقصود ههنا : كل كلمة لله ، وإما مخصوصة بنحو المعوذتين ، وقال الهروي : القرآن . والتامة : صفة لازمة ، إذ كل كلماته تامة ، وقيل : المراد بالتامة الكاملة ، وقيل : النافعة ، وقيل : الشافية ، وقيل : المباركة ، وقيل : القاضية التي تمضي وتستمر ولا يردها شيء ولا يدخلها نقص ولا عيب ، وقال ابن التين : التام فضلها وبركاتها . قوله : ( من كل شيطان ) قال الداودي : يدخل فيه شياطين الإنس والجن . قوله : ( وهامة ) ، بتشديد الميم واحدة الهوام ذوات السموم ، وقيل : كل ما له سم يقتل ، وأما ما لا يقتل فيقال لها : سوام ، وقيل : المراد كل نسمة تهم بسوء ، وقال ابن فارس : الهوام حشرات الأرض . وقال الهروي : الهوام الحيات وكل ذي سم يقتل ، وقد تقع الهامة على ما يدب من الحيوان ، ومنه . قوله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة : أيؤذيك هوام رأسك ، أراد القمل ، سماها هوام لأنها تهم في الرأس وتدب . قوله : ( لامة ) ، العين اللاَّمة هي التي تصيب بسوء ، وقيل : اللاَّمة الملمة ، وإنما أتى بها على فاعلة للمزاوجة ، ويجوز أن تكون على ظاهرها بمعنى : جامعة للشر على المعيون ، من لمه إذا جمعه ، وقال أبو عبيد : أصلها من ألممت إلماماً بالشيء : نزلت به ، ولم يقل : ملمة ، كأنه أراد بها ذات لمم ، وقال الخطابي : اللامة ذات اللمم ، وهي كل داء مر ، وآفة تلم بالإنسان من جنون وخبل ونحوه ، وقال الداودي : هي كل عين تصيب الإنسان إذا حلت به . 11 ( ( بابٌ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : * ( ونَبِّئْهُمْ عنْ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ إذْ دَخَلُوا علَيْهِ . . ) * ( الحجر : 15 ) . الآية : لا تَوْجَلْ لا تَخَفْ ) ) أي : هذا باب في بيان قوله تعالى : * ( ونبئهم عن ضيف إبراهيم . . . ) * ( الحجر : 15 ) . الآية وأشار به إلى قصة من قصص إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، وهي : دخول الملائكة ، قوله : الذين أرسلوا إلى هلاك قوم لوط صلى الله عليه وسلم عليه حتى حصل له الوجل منهم ، وذلك لامتناعهم من الأكل ، وقيل لأنهم دخلوا بغير وقت وبغير إذن ، وتمام الآية قوله : * ( قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم ) * ( الحجر : 15 ) . قوله : ( ونبئهم ) ، أي : نبيء عبادي عن ضيف إبراهيم وقصته أن الله تعالى أرسل لوطاً إلى قومه ينهاهم عما يرتكبون من المعاصي والفواحش فلم ينتهوا بل ازدادوا عتواً وفساداً ، وقالوا : ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين ، فسأل لوط ربه أن ينصره عليهم فأجاب الله دعاءه وبعث أربعة من الملائكة : جبريل وميكائيل وإسرافيل ودردائيل ، وقيل : رفائيل لإهلاكهم ، وبشارة إبراهيم بالولد ، فأقبلوا مشاة في صورة رجال مرد حسان حتى نزلوا على إبراهيم صلى الله عليه وسلم وكان الضيف قد حبس عنه خمس عشرة ليلة حتى شق ذلك عليه ، وكان لا يأكل إلاَّ مع الضيف مهما أمكنه ، فلما رآهم سُرَّ بهم لأنه رأى ضيفاً لم يضف مثلهم حسناً وجمالاً ، فقال : لا يخدم هؤلاء ، إلا أنا فخرج إلى أهله فجاء بعجل حنيذ ، وهو المشوي بالحجارة ، فقربه إليهم فأمسكوا أيديهم : * ( قال : إنا منكم وجلون ) * أي : خائفون * ( قالوا : لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم ) * ( الحجر : 15 ) . أي : يكون عليمياً بالدين . وفسر البخاري قوله : ( لا توجل ) بقوله : ( لا تخف ) من وجل ييجل ويوجل فهو وجل ، أي : خائف فزع ، وقرأ الحسن : لا توجل ، بضم التاء من : أوجله يوجله إذا أخافه ، وقرئ لا تأجل ولا تواجل . من واجله بمعنى أوجله . * ( ولاكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) * ( البقرة : 062 ) . وفي بعض النسخ : * ( وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيى الموتى قال أولَمْ تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) * ( البقرة : 062 ) . وهذه رواية أبي ذر ، ووقع في رواية كريمة : * ( ولكن ليطمئن قلبي ) * ( البقرة : 062 ) . فقط ، وسقط كل ذلك للنسفي ، فحديث أبي هريرة عند تكملة الباب الذي قبله ، وأما الكرماني فإنه كذلك لم يذكر منه شيئاً ، لا لفظ الباب ولا لفظ الترجمة . قوله : * ( وإذ قال إبراهيم ) * ( البقرة : 062 ) . يعني : أذكر يا محمد حين : * ( قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى ؟ . . . ) * ( البقرة : 062 ) . الآية وذكر المفسرون لسؤال إبراهيم عليه السلام أسباباً : منها :