العيني
242
عمدة القاري
الموحدة ، وقال الجوهري : برائل الديك عفرته ، وهو الريش الذي يستدير في عنقه ، ولم يذكر برلاً ، وقد برأل الديك برألة : إذا نفش برائله ، وعيش أغرل بالغين المعجمة ، ورجل غرل ، بفتح الغين المعجمة وكسر الراء : مسترخي الخلق بالخاء المعجمة . فإن قلت : ما فائدة الغلفة يوم القيامة ؟ قلت : المقصود أنهم يحشرون كما خلقوا لا شيء معهم ولا يفقد منهم شيء ، حتى الغرلة تكون معهم . وقال ابن الجوزي : لذة جماع الأقلف تزيد على لذة جماع المختون ، وقال ابن عقيل : بشرة حشفة الأقلف موقاة بالقلفة فتكون بشرتها أرق وموضع الحس كلما رق كان الحس أصدق كراحة الكف ، إذا كانت موقاة من الأعمال صلحت للحس ، وإذا كانت يد قصار أو نجار خفي فيها الحس ، فلما أبانوا في الدنيا تلك البضعة لأجله أعادها الله ليذيقها من حلاوة فضله ، قال : والسر في الختان ، مع أن القلفة معفو عن ما تحتها من النجس ، أنه سنة إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام . فإن قلت : روى أبو داود من حديث أبي سعيد : أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها ، ثم قال : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها ، ورواه ابن حبان أيضاً وصححه ، وروى الترمذي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ، قال : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : إنكم تحشرون رجالاً وركباناً وتجرون على وجوهكم ، ففيها معارضة لحديث الباب ظاهراً . قلت : أجيب بأنهم يبعثون من قبورهم في ثيابهم التي يموتون فيها ، ثم عند الحشر تتناثر عنهم ثيابهم فيحشرون عراة أو بعضهم يأتون إلى موقف الحساب عراة ثم يكسون من ثياب الجنة ، وبعضهم حمل قوله : يبعثون في ثيابه ، على الأعمال ، أي : في أعماله التي يموت فيها من خير أو شر . قال تعالى : * ( ولباس التقوى ذلك خير ) * ( الأعراف : 62 ) . وقال تعالى : * ( وثيابك فطهر ) * ( المدثر : 3 ) . أي : عملك أخلصه ، وروى مسلم عن جابر ، رضي الله تعالى عنه ، مرفوعاً : يبعث كل عبد على ما مات عليه ، وحمله بعضهم على الشهداء الذين أمر صلى الله عليه وسلم بأن يزملوا في ثيابهم ويدفنوا بها ، ولا يغير شيء من حالهم ، وقالوا : يحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهداء فتأوله على العموم ، وقال بعضهم : ومما يدل على حديث الباب قوله تعالى : * ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ) * ( الأنعام : 49 ) . وقوله تعالى : * ( كما بدأكم تعودون ) * ( الأعراف : 92 ) . ولا ملابس يومئذ إلاَّ في الجنة ، وذهب الغزالي إلى حديث أبي سعيد واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم : بالغوا في أكفان موتاكم ، فإن أمتي تحشر في أكفانها ، وسائر الأمم عراة ، رواه أبو سفيان مسنداً . وأجيب : عنه ، على تقدير صحته : إنه محمول على أمتي الشهداء ، واحتج الغزالي أيضاً بما رواه أبو نصر الوائلي في ( الإبانة ) : من حديث أبي الزبير عن جابر مرفوعاً : أحسنوا أكفان موتاكم ، فإنهم يتباهون بها ويتزاورون في قبورهم . وأجيب : بأن ذلك يكون في البرزخ ، كما في نفس الحديث ، فإذا قاموا خرجوا ، كما في حديث ابن عباس : إلاَّ الشهداء . قوله : ثم قرأ قوله تعالى : * ( كما بدأنا أول خلق نعيده ) * ( الأنبياء : 401 ) . الآية ، وأولها هو قوله : * ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب ) * ( الأنبياء : 401 ) . أي : يوم نطوي السماء طياً كطي السجل الصحيفة للكتاب المكتوب ، وعن علي وابن عمر ، رضي الله تعالى عنهم : السجل ملك يطوي كتب ابن آدم إذا رفعت إليه ، وعن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما : السجل كاتب لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وعنه أيضاً السجل يعني : الرجل ، فعلى هذه الأقوال : الكتاب اسم الصحيفة المكتوب فيها . قوله : * ( أول خلق ) * ( الأنبياء : 401 ) . مفعول لقوله : نعيد ، الذي يفسره : نعيده ، الذي بعده ، والكاف مكفوفة بما ، والمعنى : نعيد أول خلق كما بدأناه ، تشبيهاً للإعادة بالإبداء في تناول القدرة لهما على السواء ، وقيل : كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلاً ، كذلك نعيدهم يوم القيامة نظيرها . قوله : ( وعداً ) مصدر مؤكد ، لأن قوله : نعيده ، عدة للإعادة . قوله : ( إنَّا كُنَّا فاعلين ) أي : قادرين على ما نشاء أن نفعل ، وقيل : معناه : إنا كنا فاعلين ما وعدناه . قوله : ( وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ) ، فيه منقبة ، ظاهره له فضيلة عظيمة وخصوصية ، كما خص موسى ، عليه الصلاة والسلام بأنه صلى الله عليه وسلم يجده متعلقاً بساق العرش ، مع أن سيد الأمة أول من تنشق عنه الأرض ، ولا يلزم من هذا أن يكون أفضل منه ، بل هو أفضل من في القيامة ، ولا يلزم من اختصاص الشخص بفضيلة كونه أفضل مطلقاً ، أو المراد غير المتكلم بذلك ، لأن قوماً من أهل الأصول ذكروا أن المتكلم لا يدخل تحت عموم خطابه ، وروى ابن المبارك في ( رقائقه ) : من حديث عبد الله بن الحارث عن علي ، رضي الله تعالى عنه : أول من يكسى خليل الله قبطيتين ، ثم يكسى محمد حلة حبرة عن يمين