العيني

25

عمدة القاري

* ( يرثني ويرث من آل يعقوب ) * ( مريم : 6 ) . وبقوله تعالى : * ( وورث سليمان داود ) * ( النمل : 61 ) . وحمل جمهور العلماء الآيتين على ميراث العلم والنبوة والحكمة ومنطق الطير في حق سليمان عليه السلام . قوله : ( قد قال ذلك ) أي : قوله صلى الله عليه وسلم : لا نورث ما تركناه صدقة ، وكذلك معنى قوله : قد قال ذلك ، في الموضعين الآخرين . قوله : ( ولم يعطه أحداً غيره ) أي : لم يعط الفيء أحداً غير النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه خصص الفيء كله له ، كما هو مذهب الجمهور ، أو جله ، كما هو مذهب الشافعة . وقيل : أي حيث حلل الغنيمة له ولم تحل لسائر الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام . وقال القاضي : تخصيصه بالفيء إما كله أو بعضه ، ، وهل في الفيء خمس أم لا ؟ قال ابن المنذر : لا نعلم أحداً قبل الشافعي قال بالخمس . قوله : ( ثم قرأ * ( وما أفاء الله على رسول منهم ) * ) ( الحشر : 6 ) . إلى قوله : * ( قدير ) * ( الحشر : 6 ) . وتمام الآية : * ( فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير ) * ( الحشر : 6 ) . أي : وما رد الله على رسوله ورجع إليه ، ومنه في فيء الظل ، والفيء كالعود والرجوع يستعمل بمعنى المصير ، وإن لم يتقدم ذلك قوله : فما أوجفتم ، من الإيجاف من الوجيف ، وهو السير السريع والمعنى : إنما جعل الله لرسوله من أموال بني النضير شيئاً لم تحصلوه بالقتال والغلبة ، ولكن سلط الله رسوله عليهم وعلى أموالهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم ، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء ، وهو معنى قوله : فكانت هذه خالصة لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ولا حق لأحد فيها ، فكان يأخذ منها نفقته ونفقة أهله ويصرف الباقي في مصالح المسلمين ، وفي رواية مسلم : قال عمر ، رضي الله تعالى عنه : إن الله خص رسوله بخاصة لم يخصص بها أحداً غيره . قال : * ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ) * ( الحشر : 7 ) . ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا . قال : فقسم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بينكم أموال بني النضير ، فوالله ما استأثر عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال ، وكان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم يأخذ منه نفقته سنة ثم يجعل ما بقي أسوة المال . انتهى . وهذا تفسير لرواية البخاري في نفس الأمر . فقوله : ( والله ما احتازها ) أي : ما جمعها دونكم ، وهو بالحاء المهملة والزاي . قوله : ( ولا استأثر بها ) ، أي : ولا استبد بها وتخصص بها عليكم . قوله : ( وبثها فيكم ) ، أي : فرقها عليكم . قوله : قوله : ( نفقة سنتهم ) ، فإن قلت : كيف يجمع هذا مع ما ثبت أن درعه حين وفاته كانت مرهونة على الشعير استدانة لأهله ؟ قلت : كان يعزل مقدار نفقتهم منه ثم ينفق ذلك أيضاً في وجوه الخير إلى حين انقضاء السنة عليهم . قوله : ( فجعل مال الله ) ، بفتح الميم وهو موضع الجعل بأن يجعله في السلاح والكراع ومصالح المسلمين . قوله : ( فلما بدا ) ، أي : ظهر وصح لي . قوله : ( من ابن أخيك ) ، وهو رسول الله ، صلى الله عليه وسلم لأن أخاه عبد الله والنبي صلى الله عليه وسلم ابن عبد الله . قوله : ( يريد نصيب امرأته من أبيها ) أي : يريد علي بن أبي طالب نصيب زوجته فاطمة الذي آل إليها من أبيها ، وهو رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال الكرماني : إن كان الدفع إليهما صواباً فلم لم يدفعه في أول الحال ؟ وإلاَّ فلم دفعه في الآخر ؟ وأجاب بأنه منع أولاً : على الوجه الذي كانا يطلبانه من التملك ، وثانياً : أعطاهما على وجه التصرف فيها كما تصرف رسول الله ، صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر ، رضي الله تعالى عنهما . وقال الخطابي : هذه القصة مشكلة جداً ، وذلك أنهما إذا كانا قد أخذا هذه الصدقة من عمر على الشريطة التي شرطها عليهم ، وقد اعترفا بأنه قال صلى الله عليه وسلم : ما تركنا صدقة ، وقد شهد المهاجرون بذلك ، فما الذي بدا لهما بعد حتى تخاصما ، والمعنى في ذلك أنه كان يشق عليهما الشركة ، فطلبا أن يقسم بينهما ليستبد كل واحد منهما بالتدبير والتصرف فيما يصير إليه فمنعهما عمر القسم لئلا يجري عليهما اسم الملك ، لأن القسمة إنما تقع في الأموال ويتطاول الزمان ، فتظن به الملكية . وقال أبو داود : ولما صارت الخلافة إلى علي ، رضي الله تعالى عنه ، لم يغيرها عن كونها صدقة . قوله : ( قضاء غير ذلك ) ، أي : غير الذي قضى به ، وفي رواية أبي داود : والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة . قوله : ( فادفعاها إليَّ ) ، وفي رواية أبي داود : فإن عجزتما عنها فرداها إليَّ . ذكر ما يستفاد منه : فيه : أن علياً والعباس اختصما في ما أفاء الله على رسوله من مال بني النضير ولم يتنازعا في الخمس ، وإنما تنازعا فيما كان خاصاً للنبي صلى الله عليه وسلم وهو الفيء ، فتركه صدقة بعد وفاته . وفيه : أنه يجب أن يولي أمر كل قبيلة سيدها لأنه أعرف باستحقاق كل رجل منهم لعلمه بهم . وفيه : الترخيم له ، ولا عار على المنادى بذلك ولا نقيصة . وفيه : استعفاؤه