العيني

223

عمدة القاري

الله إليهم إلياس رسولاً ، وكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل اسمه : جاب ، وله امرأة اسمها أزبيل ، وكان يسمع منه ويصدقه ، وكان بنو إسرائيل قد اتخذوا صنماً يقال له : بعل ، وقال ابن إسحاق : سمعت بعض أهل العلم يقول : ما كان بعل إلاَّ امرأة يعبدونها من دون الله ، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله وهم لا يسمعون منه شيئاً إلاَّ ما كان من ذلك الملك ، ثم إنه قال يوماً لإلياس : والله ما أرى ما تدعو إليه إلاَّ باطلاً ، والله ما أدري فلاناً وفلاناً ، فعدد ملوكاً مثله من ملوك بني إسرائيل متفرقين بالشام يعبودن الأوثان ، إلاَّ على مثل ما نحن عليه : يأكلون ويشربون ما ينقص دنياهم فيزعمون أن إلياس استرجع ثم رفضه ، وخرج عنه وفعل ذلك الملك ما فعل أصحابه من عبادة الأوثان ، فقال إلياس : اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلاَّ الكفر فذكر لي أنه أوحى إليه أنا جعلنا أمر أرزاقهم بيدك حتى تكون أنت الذي تأذن لهم في ذلك ، فقال إلياس : اللهم أمسك عنهم المطر ، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت المواشي والهوام والشجر ، ولما دعا عليهم استخفى شفقة على نفسه منهم ، فكان حيث ما كان وضع له رزق ، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في مكان قالوا : لقد دخل الناس هذا المكان فيطلبونه ويلقى أهل ذلك المنزل منهم شراً ، ثم إنه استأذن الله في الدعاء لهم ، فأذن له ، فجاءهم فقال : إن كنتم تجيبون أن الذي أدعوكم إليه هو الحق وأنكم على باطل فأخرجوا أوثانكم وما تعبدون واجأروا إليهم ، فإن استجابوا لكم فهو كما تقولون ، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل ، وادعو الله تعالى إلى أن يفرج عنكم ما أنتم فيه . قالوا : أنصفت ، فخرجوا بأوثانهم فدعوها فلم تستجب لهم ، فعرفوا ما هم عليه من الضلالة ، ثم سألوا إلياس الدعاء فدعا ربه ، قال : فمطروا بساعتهم فحسنت بلادهم فلم يبرجوا ولم يرجعوا وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه ، فدعا الله تعالى أن يقبضه ، فكساه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب ، فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً يطير مع الملائكة ، وذكر الحاكم عن أنس مصححاً : أنه اجتمع مع سيدنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في بعض السفرات ، وخالفه ابن الجوزي في تصحيحه . قوله : ( إذ قال ) أي : اذكر حين قال إلياس لقومه ألا تتقون عذاب الله بالإيمان به ؟ قوله : ( أتدعون بعلاً ) ، أي : أتعبدون بعلاً ، وهو اسم لصنم كان لهم يعبدونه فلذلك سميت مدينتهم : بعلبك ، وقال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي : البعل الرب بلغة أهل اليمن ، وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وكان من ذهب ، طوله عشرون ذراعاً وله أربعة أوجه فتنوا به وعظموه ، وله أربعمائة سادن جعلوهم أنبياء ، فكان إبليس لعنه الله تعالى يدخل في جوفه ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس وهم أهل بعلبك من بلاد الشام . قوله : ( وتذرون ) أي : تتركون ( الله أحسن الخالقين ) فلا تعبدون الله ربكم ، قرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب : الله ، بالنصب وينصبون : ربكم ورب آبائكم ، على البدل ، والباقون برفعها على الاستئناف . قوله : ( فكذبوه ) أي : إلياس . قوله : ( فإنهم لمحضرون ) في العذاب والنار إلاَّ عباد الله المخلصين من قومه فإنهم نجوا من العذاب . قوله : * ( سلام على الياسين ) * ( الصافات : 031 ) . قرأ ابن عامر ونافع ويعقوب : آل ياسين ، بالمد والباقون إلياسين بالقطع والقطر فمن قرأ : آل ياسين ، بالمد فإنه أراد آل محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : أراد الياس وهو إليق بسياق الآية ، ومن قرأ : الياسين ، فقد قيل : إنها لغة في إلياس مثل : إسماعيل وإسماعين وميكائيل وميكائين ، وقال الزمخشري : قرىء على : إلياسين وإدريسين وإدراسين على أنها لغات في إلياس وإدريس ، ولعل لزيادة الياء والنون في السريانية معنى ، وعن بعضهم أنه قرىء : إلياس ، بترك الهمزة في ألف : إلياس ، ويجعل الألف واللام داخلين على : ياس ، للتعريف ويقولون كان اسمه : ياس فدخلت عليه الألف واللام . ويُذْكَرُ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ وابنِ عَبَّاسٍ أنَّ إلْيَاسَ هُوَ إدْرِيسُ ذكره معلقاً بصيغة التمريض ، ووصل تعليق عبد الله بن مسعود : عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه ، وتعليق ابن عباس وصله جرير في ( تفسيره ) عن الضحاك عنه ، واستدل بهذا ابن العربي : أن إدريس لم يكن جداً لنوح ، عليه السلام ، وإنما هو من بني إسرائيل ، لأن إلياس قد ورد أنه من بني إسرائيل ، واستدل على ذلك أيضاً بقوله عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج : مرحباً بالنبي الصالح ، والأخ الصالح ، ولو كان من أحد أجداده لقال له ، كما قال له آدم وإبراهيم ، عليهما السلام : بالابن الصالح .