العيني

207

عمدة القاري

والهرم ، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة ، فيكتب لهم في حال هرمهم وخرفهم مثل الذين كانوا يعملون في حال شبابهم وصحتهم . خُسْرٍ ضَلاَلٌ ثُمَّ اسْتَثْناى إلاَّ مَنْ آمَنَ أشار به إلى ما في قوله تعالى : * ( إن الإنسان لفي خسر ) * ( العصر : 2 ) . ثم فسر الخسر بالضلال ، ثم استثنى الله تعالى من أهل الخسر * ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * ( العصر : 3 ) . لاَزِبٍ لازِمٌ أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى : * ( إنا خلقناهم من طين لازب ) * ( الصافات : 11 ) . أي : لازم ، وهكذا روي عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة عنه . نُنْشِئَكُمْ في أيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى : * ( وننشئكم فيما لا تعلمون ) * ( الواقعة : 16 ) . ثم فسر ذلك بقوله : في أي خلق نشاء . نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ نُعَظِّمُكَ أشار به إلى ما في قوله تعالى : * ( ونحن نسبح بحمدك ) * ( البقرة : 03 ) . ثم فسر ذلك بقوله : نعظمك ، وكذا روي عن مجاهد . وقال أبُو الْعالِيَةِ * ( فتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ) * ( البقرة : 73 ) . فَهْوَ قَوْلُهُ * ( رَبَّنا ظلَمْنا أنْفُسَنا ) * ( الأعراف : 32 ) . أبو العالية اسمه رفيع بن مهران الرياحي ، أدرك الجاهلية وأسلم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ، بسنتين ودخل على أبي بكر الصديق ، رضي الله تعالى عنه ، وصلى خلف عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، وروى عن جماعة من الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم . وقد فسر أبو العالية الكلمات في قوله تعالى : * ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) * ( البقرة : 73 ) . بقوله تعالى : * ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) * ( الأعراف : 32 ) . وروي ذلك أيضاً عن مجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري والربيع بن أنس وقتادة ومحمد بن كعب القرظي وخالد بن معدان وعطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم . وقال أبو إسحاق السبيعي : عن رجل من بني تميم ، قال : أتيت ابن عباس فسألته : ما الكلمات التي تلقى آدم ، عليه الصلاة والسلام ، من ربه ؟ قال : علم آدم شأن الحج . فأزَلَّهُمَا فاسْتَزَلَّهُمَا أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى : * ( فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ) * ( البقرة : 83 ) . ثم فسره بقوله : فاستزلهما ، أي : دعاهما إلى الزلة . وفي ( تفسير ابن كثير ) : يصح أن يكون الضمير عائداً إلى الجنة ، فيكون المعنى كما قرأ حمزة وعاصم فأزالهما ، أي : نحَّاهما ويصح أن يكون عائداً على أقرب المذكورين وهو الشجرة ، فيكون المعنى كما قال الحسن وقتادة ، فأزلهما ، أي : من قبل الزلل ، فيكون تقدير الكلام : فأزلهما الشيطان عنها أي بسببها . ويَتَسَنَّهُ يَتَغَيَّرْ آسِنٌ مُتَغَيِّرٌ والْمَسْنُونُ المُتَغَيِّرُ أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى : * ( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ) * ( البقرة : 952 ) . أي : لم يتغير ، وأشار بقوله : آسن إلى ما في قوله تعالى : * ( فيها أنهار من ماء غير آسن ) * ( محمد : 51 ) . أي : غير متغير ، وأشار بقوله : والمسنون ، إلى ما في قوله تعالى : * ( من حمأ مسنون ) * ( الحجر : 62 ، و 82 و 33 ) . أي : من طين متغير ، وكل هذه من مادة واحدة . وقال الكرماني : فإن قلت : ما وجه تعلقه بقصة آدم عليه السلام ؟ قلت : ذكر بتبعية المسنون لأنه قد يقال باشتقاقه منه . انتهى . قلت : الداعي إلى هذا السؤال والجواب هو أن جميع ما ذكره من الألفاظ من أول الباب إلى الحديث الذي يأتي متعلق بآدم وأحواله ، غير قوله : يتسنه ، فإنه متعلق بقضية عزير ، عليه السلام ، وغير قوله : آسن ، فإنه متعلق بالماء ، فلذلك سأل وأجاب ، ومع هذا قال : وأمثال هذه تكثير لحجم الكتاب لا تكثير