العيني

183

عمدة القاري

من إنكار القدرية مع نصوص القرآن وتواتر الأخبار واستفاضة الآثار . وقال أبو القاسم الأنصاري في ( شرح الإرشاد ) : وقد أنكرهم معظم المعتزلة ودل إنكارهم إياهم على قلة مبالاتهم وركاكة ديانتهم ، فليس في إثباتهم مستحيل عقلي ، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم . وقال القاضي أبو بكر الباقلاني : وكثير من القدرية يثبتون وجود الجن قديماً ، وينفون وجودهم الآن ، ومنهم من يقر بوجودهم ويزعم أنهم لا يُرون لرقة أجسامهم ونفوذ الشعاع فيها ، ومنهم من قال : إنما لا يُرون لأنهم لا ألوان لهم . وقال عبد الجبار المعتزلي : الدليل على إثباتهم السمع دون العقل إذ لا طريق إلى إثبات أجسام غائبة ، لأن الشيء لا يدل على غيره من غير أن يكون بينهما تعلق . النوع الثاني في بيان ابتداء خلق الجن : قال أبو حذيفة إسحاق بن بشر القرشي في ( المبتدأ ) : حدثنا عثمان بن الأعمش عن بكير بن الأخنس عن عبد الرحمن بن سليط القرشي عن ابن عباس عن عمرو بن العاص ، قال : خلق الله الجن قبل آدم بألفي سنة ، ويقال : عمروا الأرض ألفي سنة ، وعن ابن عباس : كان الجن سكان الأرض والملائكة سكان السماء وهم عمارها . وقال إسحاق بن بشر : حدثني جويبر وعثمان بإسنادهما أن الله تعالى خلق الجن وأمرهم بعمارة الأرض ، فكانوا يعبدون الله تعالى ، فطال بهم الأمد فعصوا الله وسفكوا الدماء ، وكان فيهم ملك يقال له : يوسف ، فقتلوه فأرسل الله عليهم جنداً من الملائكة كانوا في السماء الدنيا كان فيهم إبليس ، وكانوا أربعة آلاف ، فهبطوا فنفوا بني الجان وأجلوهم عنها وألحقوهم بجزائر البحر ، وسكن إبليس والجند الذي كانوا معه الأرض فهان عليهم العمل وأحبوا المكث فيها . النوع الثالث في بيان خلقهم مماذا ؟ قال الله تعالى : * ( وخلق الجان من مارج من نار ) * ( الرحمن : 51 ) . وروى مسلم من حديث عائشة ، قالت : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم ) . فثبت أن أصل الجن النار ، كما أن أصل الإنس الطين . وحكى الله تعالى في القرآن عن قوله : * ( خلقتني من نار ) * ( الأعراف : 21 ، وص 1764 ; : 67 ) . فهذا أيضاً يدل على أن أصل الجن النار . فإن قلت : يجوز أن يكذب في ذلك أو يظنه ولا يكون له علم به . قلت : لو لم يكن الأمر على ما قاله لأنزل الله تعالى تكذيبه ، لأن عدم تكذيب الكاذب ممن لا يجوز عليه الخوف والجهل قبيح . فإن قلت : في النار من اليبس ما لا يصح وجود الحياة فيها والحياة في وجودها يحتاج إلى رطوبة . قلت : فالله قادر على أن يفعل رطوبة في تلك النار بمقدار ما يصح وجود الحياة فيها ، مع أن أبا هاشم جوز وجود الحياة مع عدم التنفس ، ويقول : إن أهل النار لا يتنفسون . النوع الرابع : في أنهم أجسام وأنهم على صور مختلفة ، قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي : الجن أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة ، ويجوز أن تكون رقيقة وأن تكون رقيقة وأن تكون كثيفة خلافاً للمعتزلة في قولهم : إنهم أجسام رقيقة ولرقتها لا نراهم قلنا : الرقة ليس بمانعة عن الرؤية في باب الرؤية ، ويجوز أن تكون الأجسام الكثيفة موجودة ولا نراها إذا لم يخلق الله فينا الإدراك ، وحكى أبو القاسم الأنصاري عن القاضي أبي بكر : نحن نقول إنما رآهم من رآهم لأن الله خلق لهم الرؤية ، وأن من لم يخلق له الرؤية لا يراهم وأنهم أجساد مؤلفة وجثث ، وقال كثير من المعتزلة : إنهم أجساد رقيقة بسيطة . وقال القاضي عبد الجبار : أجسام الجن رقيقة ولضعف أبصارنا لا نراهم لا لعلة أخرى ، ولو قوى الله أبصارنا أو كثف أجسامهم لرأيناهم . وقال السهيلي : الجن ثلاثة أصناف ، كما جاء في حديث : صنف على صور الحيات ، وصنف على صورة كلاب سود ، وصنف ريح طيارة . أو قال : هفافة ذو أجنحة ، وهم يتصورون في صور الحيات والعقارب ، وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير ، وفي صور الطير ، وفي صور بني أدم . وقال القاضي أبو يعلى : ولا قدرة للشياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصور ، وإنما يجوز أن يعلمهم الله كلمات وضرباً من ضروب الأفعال ، إذا فعله وتكلم به نقله من صورة إلى صور أخرى . وأما أن يصور نفسه فذاك محال . النوع الخامس : في أن الجن على أنواع منهم : الغول ، وهو العفريت ، قالوا : إن الغول حيوان لم تحكمه الطبيعة وأنه لما خرج منفرداً توحش ولم يستأنس وطلب القفار ، ويتلون في ضروب من الصور ويتراءى في الليل وفي أوقات الخلوات لمن كان مسافراً وحده فيتوهم أنه إنسان ويضل المسافر عن الطريق ، ومنهم : السعلاة ، وهي مغايرة للغول ، وأكثر ما يوجد في الفيافي إذا ظفرت بإنسان ترقصه وتلعب به كما تلعب السنور بالفأر ، ومنهم : الغدار ، وهو يوجد بأكناف اليمن وربما يوجد في أرض