العيني
18
عمدة القاري
النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفاً من الخمس ، يعني من سرية عبد الله بن جحش ، وكانت قبل بدر الأولى في رجب من السنة الثانية وكان صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش ومعه ثمانية رهط من المهاجرين إلى نخلة بين مكة والطائف ، فوجدوا بها غير قريش فقتلوهم وأخذوا العير فقال عبد الله لأصحابه : إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس ، وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم ، فعزل لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم خمس الغنيمة وقسم الباقي بين أصحابه ، وقد روى أبو داود ما يدل على هذا المعنى ، قال : كان لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر ، وأعطاني رسول الله ، صلى الله عليه وسلم شارفاً من الخمس يومئذ ، يعني : يوم بدر ، وأراد به من الخمس الذي عزله عبد الله بن جحش لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم من العير التي أخذها كما ذكرنا . وقيل : أول يوم جعل فيه الخمس في غزوة بني قريظة حين حكم سعد : بأن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية ، وقيل : نزل بعد ذلك ولم يأتِ في ذلك من الحديث ما فيه بيان شافٍ ، وإنما جاء أمر الخمس يقيناً في غنائم حنين وهي آخر غنيمة حضرها الشارع . قوله : ( إن أبتني ) : من الابتناء وهو الدخول بالزوجة ، وكذلك البناء وقد ذكرنا أن أصل ذلك : أن الرجل كان إذا أراد تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها ، فيقال : بنى الرجل على أهله . قوله : ( من بني قينقاع ) ، بفتح القافين وضم النون وفتحها وكسرها منصرفاً وغير منصرف . قال الكرماني : هم قبيلة من اليهود ، وقال الصاغاني : هم حي من اليهود . قلت : هو مركب من : قين ، الذي هو الحداد ، وقاع ، اسم أطم من آطام المدينة . قوله : ( بأذِخْر ) ، بكسر الهمزة : حشيشة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب ، وهمزته زائدة ، وقد مر في كتاب الحج . قوله : ( وليمة عرسي ) الوليمة طعام الزفاف ، وقيل : اسم لكل طعام ، والعرس ، بالكسر : امرأة الرجل ، وبالضم : طعام الوليمة ، وينبغي أن يكون بالكسر وألا يكون المعنى وليمة وليمتي ، وهكذا لا يقال . وفي ( المغرب ) : العرس بالضم : اسم ، ومنه إذا دعى أحدكم إلى وليمة عرس فليُجب ، أي : إلى طعام عرس ، وطعام الوليمة يسمى : عرساً باسم سببه . قوله : ( من الأقتاب ) ، جمع قتب وهو معروف ( والغرائر ) : بالغين المعجمة وبالراء المكررة ، ظرف التبن ونحوه ، وهو جمع غرارة . قال الجوهري : أظنه معرباً . قوله : ( وشارفاي ) ، مبتدأ وخبره قوله : ( مناخان ) ، أي : مبروكان ، ويروى : مناختان ، فالتذكير باعتبار لفظ : شارف ، والتأنيث باعتبار معناه . قوله : ( فإذا ) ، كلمة مفاجأة . قوله : ( قد اجتبت ) ، افتعل من : الجب ، بفتح الجيم وتشديد الباء الموحدة ، وهو القطع . قوله : ( بقرت ) ، على صيغة المجهول من البَقْر بالباء الموحدة والقاف ، وهو الشق . قوله : ( ولم أملك عيني ) أي : من البكاء ، وإنما كان بكاؤه ، رضي الله تعالى عنه ، خوفاً من توهم تقصيره في حق فاطمة رضي الله تعالى عنها ، أو في تأخير الابتناء بسبب ما كان منه ما يستعان به ، لا لأجل فواتهما ، لأن متاع الدنيا قليل ، لا سيما عند أمثاله . قوله : ( في شرب ) ، بفتح الشين المعجمة جمع : شارب . قوله : ( حتى أدخل ) ، يجوز بالرفع والنصب . قوله : ( ما رأيت كاليوم قط ) ، أي : ما رأيت يوماً أفظع كاليوم . قوله : ( فطفق ) ، أي : جعل . قوله : ( قد ثمل ) ، بفتح الثاء المثلثة وكسر الميم : أي : سكر . قوله : ( ثم صعد ) ، بفتح الصاد المهملة وتشديد العين المهملة المفتوحة أي : جر النظر . قوله : ( إلاَّ عبيد ) ، أي : كعبيد ، وغرضه أن عبد الله وأبا طالب كانا كأنهما عبدان لعبد المطلب في الخضوع لحرمته ، وأنه أقرب إليه منهما . قوله : ( فنكص رسول الله ، صلى الله عليه وسلم القهقرى ) ، قال الأخفش : يعني رجع وراءه ووجهه إليه ، والنكوص الرجوع إلى وراء ، يقال : نكص ينكص فهو ناكص ، قال ابن الأثير : القهقرى مصدر ، ومنه قولهم : رجع القهقرى ، أي : رجع الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم . قلت : يكون القهقرى منصوباً على المصدرية من غير لفظه . كما في : قعدت جلوساً ، وقال الأزهري : القهقرى الارتداد عما كان عليه ، وقد قهقر وتقهقر ، وقيل : إنه مشتق من القهر . وقال الطبري : وفي حديث علي ، رضي الله تعالى عنه ، أن المسلمين كانوا يشربون الخمر ويسمعون الغناء في أول الإسلام حتى نهى الله عن ذلك بقوله : * ( إنما الخمر والميسر ) * ( المائدة : 09 ) . الآية ، وإنما حرمت الخمر بعد غزوة أحد ، احتج بعض أهل العلم بهذا الحديث في إبطال أحكام السكران ، وقالوا : لو لزم السكران ما يكون منه في حال سكره كما يلزمه في حال صحوه لكان المخاطب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بما استقبله حمزة كافراً مباح الدم ، قاله الخطابي ، ثم قال : وقد ذهب على هذا القائل أن ذلك منه إنما كان قبل تحريم الخمر . فإن قلت : إلى ما آل إليه أمر الناقتين ؟ قلت : كان ضمانهما لازماً لحمزة ، رضي الله تعالى عنه ، لو كن طالبه علي ، رضي الله تعالى عنه ، ويمكن أن النبي صلى الله عليه وسلم ، عوضهما ، إذ العلماء لا يختلفون أن جنايات الأموال لا تسقط عن المجانين وغير المكلفين ، ويلزمهم ضمانها في كل حال كالعقلاء . ومن شرب لبناً أو أكل طعاماً أو تداوى