العيني
131
عمدة القاري
مزيناً بالفهم والفطانة . ومنها : إرشاد الناس وتنبيههم على كمال قدرته على الحشر والنشر ، لأن من قدر على خلق الإنسان من ماء مهين ثم من علقة ومضغة مهيأة لنفخ الروح فيه ، يقدر على صيرورته تراباً ونفخ الروح فيه وحشره في المحشر للحساب والجزاء . قوله : ( ثم يبعث الله ملكاً ) أي : بعد انتهاء الأربعين الثالثة يبعث الله ملكاً ( فيؤمر بأربع كلمات ) يكتبها وهي : قوله : ( ويقال له ) ، أي : للملك المرسل : ( أكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ) وكل ذلك بما اقتضت حكمته وسبقت كلمته . قوله : ( وشقي أو سعيد ) ، كان من حق الظاهر أن يقال : يكتب سعادته وشقاوته ، فعدل حكاية لصورة ما يكتبه ، لأنه يكتب شقي أو سعيد . قوله : ( ثم ينفخ فيه الروح ) ، أي : بعد كتابة الملك هذه الأربعة ينفخ فيه الروح . وفي ( صحيح مسلم ) : أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات . . . الحديث ، فهذا يدل على أن كتب هذه الأربعة بعد نفخ الروح ، ولفظ البخاري يدل على أن ذلك قبل نفخ الروح ، لأن في لفظة : ( ثم ينفخ فيه الروح ) وكلمة : ثم ، تقتضي تأخر كتب الملك هذه الأمور إلى ما بعد الأربعين الثالثة . وقال النووي : والأحاديث الباقية تقتضي الكتب عقيب الأربعين الأولى ، ثم أجاب عن ذلك بقوله : إن قوله : ثم يبعث إليه الملك ، فيؤذن له فيكتب معطوف على قوله : ( يجمع في بطن أمه ) ومتعلقاته لا بما قبله ، وهو قوله : ثم يكون مضغة مثله ، ويكون قوله : ثم يكون علقة مثله ، ثم يكون مضغة مثله ، معترضاً بين المعطوف والمعطوف عليه ، وذلك جائز موجود في القرآن والحديث الصحيح وفي كلام العرب . وقال القاضي وغيره : والمراد بإرسال الملك في هذه الأشياء أمره بها والتصرف فيها بهذه الأفعال ، وإلاَّ فقد صرح في الحديث بأنه موكل بالرحم ، وأنه يقول : يا رب هذه نطفة يا رب هذه علقة . وقال القاضي : وقوله في الحديث الذي روي عن أنس : وإذا أراد أن يخلق خلقاً قال : يا رب أذكر أم أنثى ؟ شقي أم سعيد ؟ لا يخالف ما قدمناه ، ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة ، بل هو ابتداء كلام وإخبار عن حالة أخرى ، فأخبر أولاً بحال الملك مع النطفة ، ثم أخبر أن الله تعالى إذا أراد أن يخلق النطفة علقة كان كذا وكذا . فإن قلت : في رواية يرسل الملك بعد مائة وعشرين يوماً ، وفي رواية : ثم يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة ، فيقول : يا رب أشقي أم سعيد ؟ وفي رواية : إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ، وفي رواية حذيفة بن أسيد : أن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ، ثم يتسور عليها الملك ، وفي رواية : أن ملكاً موكلاً بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئاً يأذن له لبضع وأربعين ليلة ، وذكر الحديث ، وفي رواية أنس ، رضي الله تعالى عنه : أن الله قد وكل بالرحم ملكاً فيقول : أي رب نطفة ، أي رب علقة ، أي رب مضغة ، فما الجمع بين هذه الروايات ؟ قلت : للملك مراعاة لحال النطفة ، وأنه يقول : يا رب هذه نطفة ، هذه علقة ، هذه مضغة في أوقاتها ، وكل وقت يقول فيه ما صارت إليه ، ولتصرفه وكلامه أوقات : أحدها حين يخلقها الله نطفة ثم ينقلها علقة وهو أول علم الملك بأنه ولد ، لأنه ليس كل نطفة تصير ولداً ، وذلك عقيب الأربعين الأولى ، فحينئذ يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته ، ثم للملك تصرف آخر في وقت آخر ، وهو تصويره وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظمه وكونه ذكراً أو أنثى ، وذلك إنما يكون في الأربعين الثالثة ، وهي مدة المضغة ، وقبل انقضاء مدة هذه الأربعين ، وقبل نفخ الروح فيه ، لأن نفخ الروح لا يكون إلاَّ بعد تمام صورته . فإن قلت : روي : إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها قال : يا رب أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما شاء ، ويكتب الملك ، ثم يقول : يا رب أجله ؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك ، وذكر رزقه ؟ قلت : ليس هذا على ظاهره ولا يصح حمله على ظاهره ، بل المراد بتصورها وخلق سمعها إلى آخره أنه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر ، لأن التصوير عقيب الأربعين الأولى غير موجود في العادة ، وإنما يقع في الأربعين الثالثة وهي مدة المضغة كما قال الله تعالى : * ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) * ( المؤمنون : 8 ) . إلى قوله : * ( لحما ) * ( المؤمنون : 8 ) . ثم يكون للملك فيه تصرف آخر وهو وقت نفخ الروح عقيب الأربعين الثالثة حتى يكمل له أربعة أشهر . قوله : ( حتى ما يكون ) ، حتى ، هي الناصبة و : ما نافية ولفظة : يكون ، منصوب بحتى وما غير كافة لها من العمل . قوله : ( إلاَّ ذراع ) ، المراد بالذراع التمثيل والقرب إلى الدخول ، أي : ما يبقى بينه