العيني

126

عمدة القاري

بجسده وحال يقظته استحالة ، وقال ابن عباس : هي رؤيا عين رآها لا رؤيا منام . وأما قول عائشة : ما فقد جسده ، فلم يحدث عن مشاهدة لأنها لم تكن حينئذ زوجة ولا في سن من يضبط ، ولعلها لم تكن ولدت ، فإذا كان كذلك تكون قد حدثت بذلك عن غيرها ، فلا يرجح خبرها على خبر غيرها ، وقال الحافظ عبد الحق في ( الجمع بين الصحيحين ) : وما روى شريك عن أنس أنه كان نائماً ، فهو زيادة مجهولة ، وقد روى الحفاظ المتقنون والأئمة المشهورون كابن شهاب وثابت البناني وقتادة عن أنس ، ولم يأت أحد منهم بها ، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث . قوله : ( وذكر ) أي : رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . قوله : ( فأتايت ) على صيغة المجهول ، قوله : ( بطست ) الطست مؤنثة وجمعها طسوس وجاء بكسر الطاء ، ويقال : طس بتشديد السين . قوله : ( ملىء ) على صيغة المجهول من الماضي والتذكير باعتبار الإناء ، وفي رواية الكشميهني : ملآى ، وفي رواية غيره : ملآن ، فالحاصل أن فيه ثلاث روايات . قوله : ( حكمة وإيماناً ) قال الكرماني : هما معنيان ، والإفراغ صفة الأجسام . قلت : كان في الطست شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادتهما ، فسمي إيماناً وحكمة ، لكونه سبباً لهما . وقال الطيبي : لعبه من باب التمثيل أو تمثل له المعاني كما تمثل له أرواح الأنبياء الدارجة بالصور التي كانوا عليها . قوله : ( فشق من النحر إلى مراق البطن ) النحر الصدر ومراق ، بفتح الميم وتخفيف الراء وتشديد القاف : وهو ما سفل من البطن ورق من جلده ، وأصله مراقق ، وسميت بذلك لأنها موضع رقة الجلد ، وقال الطيبي : ما ذكر من شق الصدر واستخراج القلب وما يجري مجراه ، فإن السبيل في ذلك التسليم دون التعرض بصرفه إلى وجه يتقوله متكلف ادعاء للتوفيق بين المنقول والمعقول تبروءاً مما يتوهم أنه محال ، ونحن بحمد الله لا نرى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصادق عن الأمر المحال به على القدرة . واعلم أن هذا الشق غير الشق الذي كان في زمن صغره ، فعلم أن الشق كان مرتين . قوله : ( وأتيت بدابة أبيض ) إنما قال : أبيض ، ولم يقل : بيضاء ، لأنه أعاده على المعنى أي : بمركوب أو براق . قوله : ( البراق ) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو براق ، ويجوز بالجر على أنه بدل من دابة ، والبراق اسم للدابة التي ركبها صلى الله عليه وسلم تلك الليلة . وقال ابن دريد : اشتقاقه من البرق ، إن شاء الله ، لسرعته . وقيل : سمي به لشدة صفائه وتلألؤ لونه ، ويقال : شاة برقاء إذا كان خلال صوفها طاقات سود ، فيحتمل التسمية به لكونه ذا لونين ، وذكر ابن أبي خالد في كتاب ( الاحتفال في أسماء الخيل وصفاتها ) : أن البراق ليس بذكر ولا أنثى ، ووجهه كوجه الإنسان وجسده كجسد الفرس ، وقوائمه كقوائم الثور ، وذنبه كذنب الغزال ، وقال ابن إسحاق : البراق دابة أبيض وفي فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه ، يضع حافره في منتهى طرفه ، وقال الزبيدي في ( مختصر العين ) وصاحب ( التحرير ) : هي دابة كانت الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، يركبونها . وقال الطيبي : وهذا الذي قالاه يحتاج إلى نقل صحيح ، ثم قال : لعلهم حسبوا ذلك في قوله في حديث آخر : فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء البراق ، وأظهر منه حديث أنس في حديث آخر : قول جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، للبراق : فما ركبك أحد أكرم على الله منه . وعن قتادة : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم لما أراد الركوب على البراق شمس فوضع جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، يده على مفرقته ثم قال : ألاَ تَسْتَحي يا براق مما تصنع ؟ فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم على الله منه . قال : فاستحيى حتى ارفضَّ عرقاً ، ثم قر حتى ركبه . وقال ابن بطال في سبب نفرة البراق بعد عهده بالأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، وطول الفترة بين عيسى ومحمد ، عليهما الصلاة والسلام . وقال غيره : قال جبريل ، عليه الصلاة والسلام لمحمد صلى الله عليه وسلم حين شمس به البراق : لعلك يا محمد مسست الصفراء اليوم يعني : الذهب فأخبر النبي صلى الله عليه وسلمأنه ما مسها إلاَّ أنه مر بها ، فقال : تباً لمن يعبدك من دون الله ، وما شمس إلاَّ لذلك ، ذكره السهيلي . وسمع العبد الضعيف من بعض مشايخه الثقات أنه إنما شمس ليعد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالركوب عليه يوم القيامة ، فلما وعد له ذلك قر . وفي ( صحيح ابن حبان ) : أن جبرائيل ، عليه الصلاة والسلام ، حمله صلى الله عليه وسلم على البراق رديفاً له ثم رجعا ولم يصل فيه أي : في بيت المقدس ، ولو صلى لكانت سنة ، وهو من أظرف ما يستدل به على الإرداف . وفي حديث أنس وغيره أنه صلى ، وأنكر ذلك حذيفة ، وقال : والله ما زالا عن ظهر البراق حتى رجعا . وأخرج البيهقي حديث الإسراء من حديث شداد بن أوس وفيه : أنه صلى تلك الليلة ببيت لحم . قوله : ( حتى أتينا السماء الدنيا ) لم يذكر فيه مجيئه إلى القدس ، وقد قال الله تعالى : * ( سبحان الذي أسرى بعبده ) * ( لإسراء : 1 ) . الآية ، ذكر أهل السير ، والمفسرون