العيني

111

عمدة القاري

مطابقته للترجمة في قوله : ( لما قضى الله الخلق ) . ومغيرة ، بضم الميم وكسرها . والحديث أخرجه مسلم في التوبة ، والنسائي في النعوت كلهم عن قتيبة . قوله : ( لما قضى الله الخلق ) ، قال الخطابي : يريد لما خلق الله الخلق كما في قوله تعالى : * ( فقضاهن سبع سماوات ) * ( فصلت : 21 ) . أي : خلقهن ، وقال ابن عرفة : قضاء الشئ إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه ، وبه سمي القاضي لأنه إذا حكم فقد فرغ مما بين الخصمين . قوله : ( كتب في كتابه ) ، أي : أمر القلم أن يكتب في كتابه وهو اللوح المحفوظ ، والمكتوب هو : أن رحمتي غلبت غضبي . قوله : ( فهو عنده ) ، أي : الكتاب عنده ، والعندية ليست مكانية بل هو إشارة إلى كمال كونه مكنوناً عن الخلق مرفوعاً عن حيز إدراكهم . قوله : ( فوق العرش ) ، قال الخطابي : قال بعضهم : معناه دون العرش استعظاماً أن يكون شيء من الخلق فوق العرش كما في قوله تعالى : * ( بعوضة فما فوقها ) * ( البقرة : 62 ) . أي : فما دونها أي : أصغر منها ، وقال بعضهم : إن لفظ الفوق زائد كما في قوله تعالى : * ( فإن كن نساء فوق اثنتين ) * ( النساء : 11 ) . إذ الثنتان يرثان الثلثين . قلت : في كل منهما نظر ، أما الأول ففيه استعمال اللفظ في غير موضعه ، وأما الثاني ففيه فساد المعنى ، لأن معناه : يكون حينئذ : فهو عنده العرش ، وهذا لا يصح ، والأحسن أن يقال معنى قوله : فهو عنده فوق العرش أي : علم ذلك عند الله فوق العرش لا ينسخ ولا يبدل ، أو ذكر ذلك عند الله فوق العرش ، ولا محذور من إضمار لفظ العلم أو الذكر ، على أن العرش مخلوق ولا يستحيل أن يمسه كتاب مخلوق ، فإن الملائكة حملة العرش حاملونه على كواهلهم ، وفيه المماسة فلا محذور أن يكون كتابه فوق العرش . فإن قلت : ما وجه تخصيص هذا بالذكر على ما قلت ، مع أن القلم كتب كل شيء ؟ قلت : لما فيه من الرجاء الكامل وإظهار أن رحمته وسعت كل شيء ، بخلاف غيره . قوله : ( أن رحمتي ) ، بفتح أن على أنها بدل من : كتب ، وبكسرها ابتداء كلام يحمي مضمون الكتاب . قوله : ( غلبت ) ، في رواية شعيب عن أبي الزناد في التوحيد : سبقت ، بدل : غلبت ، والمراد من الغضب معناه الغائي وهو لازمه ، وهو إرادة الانتقام ممن يقع عليه الغضب والسبق والغلبة باعتبار التعلق أي : تعلق الرحمة سابق غالب على تعليق الغضب ، لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة ، وأما الغضب فإنه متوقف على سابقة عمل من العبد حادث ، وبهذا يندفع إشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرحمة في بعض المواضع كمن يدخل النار من الموحدين ثم يخرج بالشفاعة أو غيرها ، وقيل : الرحمة والغضب من صفات الفعل لا من صفات الذات فلا مانع من تقدم بعض الأفعال على بعض ، وقال الطيبي في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب ، وأنها تنالهم من غير استحقاق ، وأن الغضب لا ينالهم إلاَّ باستحقاق ، فالرحمة تشمل الشخص جنيناً ورضيعاً وفطيماً وناشئاً قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة ولا يلحقه الغضب إلاَّ بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك ، والله تعالى أعلم . 2 ( ( بابُ ما جاءَ في سَبْعِ أرَضينَ ) ) هذا باب في بيان ما جاء في وضع سبع أرضين . وقَوْلِ الله تعَالى * ( الله الَّذِي خلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مَثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ الله علَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ الله قَدْ أحاطَ بِكُلَّ شَيْءٍ عِلْمَاً ( الطلاق : 21 ) . وقول الله ، بالجر عطفاً على قوله : في سبع أرضين . قوله : ( الله ) مبتدأ . و : الذي خلق ، خبره . قوله : ( سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ) في العدد ، قيل : ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع : إلاَّ هذه الآية . وقال الداودي : فيه دلالة على أن الأرضين بعضها فوق بعض مثل السماوات ليس بينها فرجة ، وحكى ابن التين عن بعضهم : أن الأرض واحدة ، قال : وهو مردود بالقرآن والسنة . وروى البيهقي عن أبي الضحى عن مسلم عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، أنه قال : * ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ) * ( الطلاق : 21 ) . قال : سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيسى ، ثم قال : إسناد هذا الحديث عن ابن عباس صحيح ، وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاً . وروى ابن أبي حاتم من طريق محمد عن مجاهد عن ابن عباس ، قال : لو حدثتكم بتفسير هذه الآية لكفرتم ، وكفركم تكذيبكم بها ، وقد روى أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعاً ، أن بين كل سماء وسماء خمسمائة عام ، وأن سمك كل سماء كذلك ، وأن بين كل أرض