العيني

72

عمدة القاري

عليه وسلم ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رسولَ الله ، صلى الله عليه وسلم قال مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فلَهُ الجَنَّةُ فَحَفَرْتَها ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ قال منْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فلَهُ الجَنَّةُ فَجَهَّزْتُهُمْ قال فَصَدَّقُوهُ بِما قالَ . مطابقته للترجمة في قوله : ( فحفرتها ) أي : حفرت رومة ، قال ابن بطال : ذكر الحفر وهم من بعض الرواة ، والمعروف أن عثمان اشتراها لا أنه حفرها . قلت : حفرها أو اشتراها ، وهي صدقة عنه ، فتطابق قوله : أو بئراً ، وتمام دلالته على الترجمة من جهة تمام القصة ، وهو أنه قال : دلوي فيها كدلاء المسلمين . قوله : ( عبدان ) ، هو عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي ، وعبدان لقبه ، يروي عن أبيه عثمان بن جبلة بن أبي رواد ، واسمه : ميمون ، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي ، وأبو عبد الرحمن اسمه : عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي القاري ، له ولأبيه صحبة . وهذا التعليق وصله الدارقطني والإسماعيلي وغيرهما من طريق القاسم بن محمد المروزي عن عبدان بتمامه ، وروى الترمذي : حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن وعباس بن محمد الدوري وغير واحد ، المعنى واحد ، قالوا : حدثنا سعيد بن عامر ، قال عبد الله : أخبرنا سعيد بن عامر عن يحيى بن أبي الحجاج المنقري عن أبي مسعود الجريري عن ثمامة بن حزن القشيري ، قال : شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان . فقال : ائتوني بصاحبيكم اللذين ألَّباكم عليَّ ، قال : فجيء بهما كأنهما جملان أو كأنهما حماران قال : فأشرف عليهم عثمان ، فقال : أنشدكم بالله والإسلام ، هل تعلمون أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة ؟ فقال : ( من يشتري بئر رومة يجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة ، فاشتريتها من صلب مالي ، فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر ؟ فقالوا : اللهم نعم ، فقال : أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة ، فاشتريتها من صلب مالي ، فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين ؟ ) قالوا اللهم نعم ، قال : أنشدكم بالله والإسلام ، هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي ؟ قالوا اللهم نعم : أنشدكم بالله والإسلام ، هل تعلمون أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر ، رضي الله تعالى عنهما ، وأنا ، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض ، فركضه برجله ، فقال : إسكن ثبير ، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : الله أكبر شهدوا ورب الكعبة إني شهيد ثلاثة ) . هذا حديث حسن ، ورواه النسائي أيضاً وزاد من رواية الأحنف عن عثمان ، فقال : ( لأجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك ) ، وعن النسائي أيضاً من رواية الأحنف : ( أن عثمان اشتراها بعشرين ألفاً أو بخمسة وعشرين ألفاً ، وزاد في جيش العسرة ، فجهزتهم حتى لم يفقدوا عقالاً ولا خطاماً ) . وللترمذي من حديث عبد الرحمن بن حباب السلمي : أنه جهزهم بثلاثمائة بعير ، وفي رواية أحمد من حديث عبد الرحمن بن سمرة : أنه جاء بألف دينار في ثوبه ، فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم حين جهز جيش العسرة ، فقال : ( ما على عثمان ما عمل بعد اليوم ) ، وروى الدارقطني من طريق ثمامة بن حزن عن عثمان ، قال : ( هل تعلمون أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم زوجني إحدى ابنتيه واحدة بعد أخرى ، رضي بي ورضي عني ؟ قالوا : اللهم نعم ) . قوله : ( حيث حوصر ) ، وفي رواية الكشميهني : حين حوصر ، وذلك حين حاصره المصريون الذين أنكروا عليه تولية عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وقصته مشهورة . قوله : ( أنشدكم ) ، يقال نشدت فلاناً أنشده إذا قلت له : نشدتك الله ، أي : سألتك بالله ، كأنك ذكرته إياه . قوله : ( من حفر رومة ) ، قد ذكرنا عن ابن بطال أنه قال ذكر الحفر وهم ، والذي يعلم في الأخبار والسِّير أنه اشتراها ، ولا يوجد : أن عثمان حفرها ، إلاَّ في حديث شعبة ، وروى البغوي في ( معجم الصحابة ) من طريق بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه ، قال : لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء ، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها : رومة ، وكان يبيع منها القربة بمد ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( تبيعنيها بعين في الجنة ؟ ) فقال : يا رسول الله ! ليس لي ولا لعيالي غيرها ، فبلغ ذلك عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ( فقال : أتجعل لي ما جعلته له ؟ ) قال : نعم . قال : قد جعلتها للمسلمين . انتهى . وإذا كانت عيناً فلا مانع أن يحفر فيها عثمان بئراً ، ويحتمل أن العين المذكورة كانت تجري إلى بئر فوسعها عثمان أو طواها ، فنسب حفرها إليه . وقال الكرماني : رومة ، بضم الراء وسكون الواو : كان ركية ليهودي يبيع المسلمين ماءها ، فاشتراها منه عثمان بعشرين ألف درهم ، وذكر الكلبي : أنه كان يشتري منها قربة بدرهم قبل أن يشتريها عثمان ، رضي الله تعالى عنه . قوله : ( فصدقوه بما قال ) أي : بالذي قال عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، وفي رواية