العيني

8

عمدة القاري

هو ما يظهر من الماء زمن الشتاء ويذهب في الصيف ، وقيل : لا يكون إلاَّ فيما غلظ من الأرض . قوله : ( قليل الماء ) ، تأكيد له ، قال بعضهم ، تأكيد لدفع توهم أن تراد لغة من يقول إن الثمد الماء الكثير . قلت : إنما يتوجه هذا الكلام أن لو ثبت في اللغة : أن الثمد الماء الكثير أيضاً ، فإذا ثبت يكون من الأضداد ، فيحتاج إلى ثبوت هذا . وقال الكرماني : الثمد ، ذكر معناه فيما بعده على سبيل التفسير . قوله : ( يتبرضه الناس ) ، ، أي : يأخذونه قليلاً قليلاً ، ومادته باء موحدة وراء وضاد معجمة ، والبرض : هو اليسير من العطاء . قوله : ( تبرضاً ) مصدر من باب التفعل الذي يجيء للتكلف وانتصابه على أنه مفعول مطلق . قوله : ( فلم يلبثه ) بضم الياء وسكون اللام من الإثبات ، وقال ابن التين ، بفتح اللام وكسر الباء الموحدة المثقلة : من التلبيث أي : لم يتركوه يثبت أي : يقيم . قوله : ( وشكى ) ، على صيغة المجهول . قوله : ( فانتزع سهماً من كنانته ) أي : أخرج نشابة من جعبته . قوله : ( ثم أمرهم أن يجعلوه فيه ) أي : ثم أمرهم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم أن يجعلوا السهم في الثمد المذكور ، وفي رواية الزهري : ( فأخرج سهماً من كنانته فأعطاه رجلاً من أصحابه ، فنزل قليباً من تلك القلب فغرزه من جوفه ، فجاش بالرواء ) . وقال ابن إسحاق : إن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب سائق بدن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : قال : وقد زعم بعض أهل العلم : كان البراء بن عازب ، يقول : أنا الذي نزلت بسهم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . وروى الواقدي من طريق خالد بن عبادة الغفاري ، قال : ( أنا الذي نزلت بالسهم ) ، والتوفيق بين هذه الروايات أن يقال : إن هؤلاء تعاونوا في النزول في القليب . قوله : ( يجيش لهم بالري ) ، أي : يفور ، ومادته : جيم وياء آخر الحروف وشين معجمة ، قال ابن سيده : جاشت تجيش جيشاً وجيوشاً وجيشاناً ، وكان الأصمعي يقول : جاشت بغير همزة ، فارت ، وبهمزة : ارتفعت ، والري بكسر الراء وفتحها ، ما يرويهم . فإن قلت : سيأتي في المغازي من حديث البراء بن عازب في قصة الحديبية : أنه ، عليه الصلاة والسلام ، جلس على البئر ثم دعا بإناء فتمضمض ، ودعا وصبه فيها ، ثم قال : دعوها ساعة ، ثم إنهم ارتووا وبعد ذلك قلت : لا مانع من كون وقوع الأمرين معاً ، وقد روى الواقدي من طريق أوس بن خولي أنه ، صلى الله عليه وسلم ، توضأ في الدلو ثم أفرغه فيها وانتزع السهم فوضعه فيها ، وهكذا ذكر أبو الأسود في روايته عن عروة أنه صلى الله عليه وسلم تمضمض في دلو وصبه في البئر ونزع سهماً من كنانته فألقاه فيها ، ودعا ففارت ، وهذه القصة غير القصة الآتية في المغازي أيضاً من حديث جابر ، رضي الله تعالى عنه ، قال : عطش الناس بالحديبية وبين يدي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ركوة ، فتوضأ منها فوضع يده فيها ، فجعل الماء يفور من بين أصابعه . . . الحديث ، وكأن ذلك كان قبل قصة البئر . قوله : فبينما هم كذلك ، وفي رواية الكشميهني : فبينا هم كذلك ، بدون الميم . قوله : ( بديل بن ورقاء ) بديل ، بضم الباء وفتح الدال المهملة وورقاء بالقاف ، مؤنث الأورق الخزاعي ، قال أبو عمر : أسلم يوم الفتح بمر الظهران وشهد حنيناً والطائف وتبوك ، وكان من كبار مسلمة الفتح ، وقيل : أسلم قبل ذلك وتوفي في حياة سيدنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . وقال ابن حبان : وكان سيد قومه ، وكان من دهاة العرب . قوله : ( في نفر من قومه ) ، ذكر الواقدي منهم عمرو بن سالم وخراش بن أمية في رواية الأسود عن عروة منهم خارجة بن كرز ويزيد بن أمية . قوله : ( وكانوا عيبة نصح رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ) العيبة ، بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة ، وهي في الأصل ما يوضع فيه الثياب لحفظها ، والمراد بها هنا : موضع سره وأمانته ، شبه الإنسان الذي هو مستودع سره بالعيبة التي هي مستودع الثياب ، أي : محل نصحه وموضع أسراره ، والنصح بضم النون ، وحكى ابن التين فتحها على أنه مصدر من نصخ ينصح نصحاً بالفتح . قلت : هو بالضم اسم ، وأصله في اللغة الخلوص ، يقال : نصحته ونصحت له ونصح رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عبارة عن التصديق بنبوته ورسالته والانقياد لما أمر به ونهى عنه . قوله : ( من أهل تهامة ) لبيان الجنس ، لأن خزاعة كانوا من جملة أهل تهامة ، وتهامة ، بكسر التاء المثناة من فوق : وهي مكة وما حولها من البلدان . وحدَّها من جهة المدينة ، العرج ، ومنتهاها إلى أقصى اليمن ، ويقال : تهامة اسم لكل ما نزل من نجد ، واشتقاقه من التهم وهو شدة الحر وركود الريح ، يقال : أتهم إذا أتى تهامة . كما يقال : أنجد إذا أتى نجداً . قوله : ( كعب بن لؤي وعامر بن لؤي ) بضم اللام وفتح الهمزة وشدة الياء ، إنما اقتصر على ذكر هذين لكون قريش الذين كانوا بمكة أجمع يرجع أنسابهم إليهما ، ولم يكن بمكة منهم أحد ، وكذلك قريش