العيني
42
عمدة القاري
المقر في حالة يرد فيها على الله ، فهي الحالة التي يجتنب فيها المعصية والظلم ، قلت : هذا أمر مبطن ونحن لا نحكم إلاَّ بالظاهر ، وأما الحديث الذي علقه فهو طرف من حديث مضى في كتاب الإيمان . وقال الله تعالى : * ( إنَّ الله يأمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِهَا ) * ( النساء : 85 ) . فلَمْ يَخُصَّ وَارِثاً ولاَ غَيْرَهُ هذا احتجاج آخر فيما ذهب إليه وهو بعيد جداً ، وجهه الكرماني بقوله : فلم يخص ، أي : لم يفرق بين الوارث وغيره في ترك الخيانة ووجوب أداء الأمانة إليه فيصح الإقرار سواء كان للوارث أو لغيره . أما وجه البعد . فهو أن يقال : من أين علم أن ذمة المقر للوارث كانت مشغولة حتى إذا لم يقر كان خائناً ؟ فإن قيل : إقراره عند توجهه إلى الآخرة يدل على ذلك ، يقال : مع هذا يحتمل تخصيصه بذلك بعض الورثة أنه فعل ذلك قصداً لنفعه ، وفي ذلك ضرر لغيره ، والضرر مدفوع شرعاً ، ولئن سلمنا اشتغال ذمته في نفس الأمر بما أقر به فهذا لا يكون إلاَّ ديناً مضموناً فلا يطلق عليه الأمانة ، فلا يصح الاستدلال بالآية الكريمة على ذلك ، على أن كون الدين في ذمته مظنون بحسب الظاهر ، والضرر لباقي الورثة عند ذلك محقق ، فكيف يترك العمل بالمحقق ويعمل بالمظنون ؟ . فِيهِ عبْدُ الله بنُ عَمْرُو عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أي : في قوله : ( آية المنافق إذا اؤتمن خان ) ، روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكره في كتاب الإيمان في : باب علامة المنافق ، أخرجه عن قبيصة عن سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عمرو بن العاص . 9472 حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ أبو الرَّبِيعِ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ قال حدَّثنا نافِعُ بنُ مالِكِ بنِ أبِي عامِرِ أبو سُهَيْلٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال آيةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ إذا حدَّثَ كَذَبَ وإذَا ائْتُمِنَ خانَ وإذَا وعَدَ أخْلَفَ . . ذكر هذا الحديث بطريق التبعية والبيان لقوله : ( آية المنافق إذا اؤتمن خان ) ، ولقوله : فيه عبد الله بن عمرو ، وإلاَّ ليس لذكره وجه في هذا الباب ، وهذا الحديث بعينه إسناداً ومتناً قد مر في كتاب الإيمان في : باب علامة المنافق . 9 ( ( بابُ تَأْوِيلِ قَوْلِ الله تعالى : * ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أوْ دَيْنٍ ) * ( النساء : 21 ) . ) ) أي : هذا باب في بيان تأويل قول الله ، عز وجل ، في أنه قدم الوصية في الذكر على الدين ، مع أن الدين مقدم على الوصية وغيرها ، هكذا قالوا ، حتى قال بعضهم : وبهذا يظهر السر في تكرار هذه الترجمة . قلت : قدم الله تعالى الوصية على الدين في قوله : * ( ولكم نصف ما ترك أزواجكم ) * ( النساء : 21 ) . الآية في موضعين ، وقدمها أيضاً في الآية التي قبلها وهو قوله : * ( يوصيكم الله في أولادكم ) * ( النساء : 11 ) . وينبغي أن يسأل عن وجه تقديم الوصية على الدين في هذه المواضع ، ولا يتجه هذا إلاَّ بترجمة غير هذا ، ولا وجه لذكر التأويل هنا ، لأن حد التأويل لا يصدق عليه ، لأن التأويل ما يستخرج بحسب القواعد العربية ، وبعض الآية التي هي ترجمة مفسرة ، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تأويل غاية ما في الباب أنه يسأل عما ذكرناه الآن وذكروا فيه وجوهاً ، فقال السهيلي : قدمت الوصية على الدين في الذكر لأنها إنما تقع على سبيل البر والصلة ، بخلاف الدين ، لأنه يقع قهراً فكانت الوصية أفضل ، فاستحقت البداية . وقيل : الوصية تؤخذ بغير عوض ، بخلاف الدين فكانت أشق على الورثة من الدين ، وفيها مظنة التفريط ، فكانت أهم فقدَّمت . وقيل : هي إنشاء الموصي من قبل نفسه ، فقدمت تحريضاً على العمل بها . وقيل : هي حظ فقير ومسكين غالباً ، والدين حظ غريم يطلبه بقوة ، وله مقال . ويُذْكَرُ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى بالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ هذا الذي ذكره بصيغة التمريض طرف من حديث أخرجه الترمذي : حدثنا ابن أبي عمر ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن