العيني
302
عمدة القاري
المعروف هو الأول ، وقد ذكرنا في كتاب الجنائز أن بني مغالة بطن من الأنصار ، وقيل : حي من قضاعة . قوله : ( الأميين ) ، أي : العرب . وما ذكره ، وإن كان حقاً من جهة المنطوق ، باطل من جهة المفهوم ، وهو أنه ليس مبعوثاً إلى العجم كما زعمه اليهود . قوله : ( آمنت بالله ورسله ) ، وفي رواية المستملي : ( ورسوله ) ، بالإفراد ، وفي حديث أبي سعيد : ( آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . قيل : كيف طابق : آمنت بالله ورسله الاستفهام ؟ وأجيب : بأنه لما أراد أن يظهر للقوم حاله أرخى العنان حتى يبينه عند المغتر به ، فلهذا قال آخراً : إخسأ . وقيل : إنما عرض النبي صلى الله عليه وسلم ، الإسلام على ابن صياد بناء على أنه ليس الدجال المحذر منه ، ورد بأن أمره كان محتملاً فأراد اختباره بذلك . وقال القرطبي : كان ابن صياد على طريق الكهنة يخبر بالخبر فيصح تارة ويفسد أخرى ، ولم ينزل في شأنه وحي ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم ، سلوك طريقته يختبر بها حاله ، وهذا هو السبب أيضاً في انطلاقه إليه ، وقد روى أحمد من حديث جابر . قال : ( ولدت امرأة من اليهود غلاماً ممسوحة إحدى عينيه ، والأخرى طالعة ناتئة ، فأشفق النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هو الدجال . قوله : ( ماذا ترى ؟ ) قال ابن صياد : يأتيني صادق وكاذب ، وروى الترمذي من حديث أبي سعيد . قال : لقي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ابن صياد في بعض طرق المدينة ، فاحتبسه وهو غلام يهودي وله ذؤابة ومعه أبو بكر ، وعمر رضي الله تعالى عنهما ، فقال له رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( تشهد أني رسول الله ؟ ) فقال : أتشهد أني رسول الله ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما ترى ؟ قال : أرى عرشاً فوق الماء . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ترى عرش إبليس فوق البحر ، قال : ما ترى ؟ قال : أرى صادقاً وكاذبين ، أو صادقين وكاذباً ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ليس عليه فدعاه . . . ) . انتهى . قوله : ( فدعاه ) أي : اتركاه ، يخاطب أبا بكر وعمر ، رضي الله تعالى عنهما . وكذا رواه مسلم ، وفي آخره : ( فدعوه ) ، بصيغة الجمع : وفي رواية أحمد : أرى عرشاً على الماء وحوله الحيتان . قوله : ( خلط عليك الأمر ) ، بضم الخاء وكسر اللام المخففة ، ومعناه : لبس ، وكذا هو في رواية ، بضم اللام وكسر الباء الموحدة المخففة بعدها سين مهملة . وفي حديث أبي الطفيل عند أحمد ، فقال : ( تعوذوا بالله من شر هذا ) . قوله : ( إني خبأت ) ، أي : ضمرت ( لك خبيئاً ) ، بفتح الخاء المعجمة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ثم همزة ، ويروى : ( خبأ ) بكسر الخاء وسكون الباء وبالهمزة ، يعني : أضمرت لك اسم الدخان ، وقيل : آية الدخان ، وهي * ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ) * ( الدخان : 01 ) . قوله : ( هو الدخ ) ، بضم الدال المهملة وبالخاء المعجمة ، وحكى صاحب ( المحكم ) الفتح ، ووقع عند الحاكم : الزخ ، بفتح الزاي بدل الدال ، وفسره : بالجماع ، واتفق الأئمة على تغليطه في ذلك ، ويرده ما وقع في حديث أبي ذر وأخرجه أحمد والبزار ، فأراد أن يقول : الدخان فلم يستطع ، فقال : الدخ ، وفي رواية البزار والطبراني في ( الأوسط ) من حديث زيد بن حارثة ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم خبأ له سورة الدخان ، وكأنه أطلق السورة وأراد بعضها ، والدليل عليه أن أحمد روى عن عبد الرزاق في حديث الباب ، وخبأ له : * ( يوم تأتي السماء بدخان مبين ) * ( الدخان : 01 ) . وأما جواب ابن صياد : بالدخ ، فإنه اندهش ولم يقع من لفظ الدخان إلاَّ على بعضه ، وحكى الخطابي : أن الآية كانت حينئذ مكتوبة في يد النبي صلى الله عليه وسلم فلم يهتد ابن صياد منها إلاَّ لهذا القدر الناقص على طريق الكهنة ، ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( لن تعدو قدرك ) أي : قدر مثلك من الكهان الذي يحفظون من إلقاء شياطينهم ما يختطفونه مختلطاً صدقه بكذبه ، وحكى أبو موسى المديني : أن السر في امتحان النبي صلى الله عليه وسلم ، له بهذه الآية . الإشارة إلى أن عيسى بن مريم ، عليهما الصلاة والسلام ، يقتل الدجال بجبل الدخان ، فأراد التعريض لابن صياد بذلك . قوله : ( إخسأ ) ، كلمة زجر واستهانة ، أي : اسكت صاغراً ذليلاً . قوله : ( فلن تعدو قدرك ) ، قد مر تفسيره الآن ويروى بحذف الواو ، وقال ابن مالك : الجزم ، بلن ، لغة حكاها الكسائي . قوله : ( إن يكنه ) ، القياس : إن يكن إياه لأن المختار في خبر : كان الانفصال ، ولكن يقع المرفوع المنفصل موضع المنصوب ، ويحتمل أن يكون تأكيداً للمتصل ، وكان تلامة ، أو الخبر محذوف ، أي : إن يكن هو هذا وإن يكون ضمير فصل ، والدجال المحذوف خبره وإنما لم يأذن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم يضرب عنقه لأنه كان غير بالغ ، أو هو من أهل مهادنة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم معهم . قوله : ( فلن تسلط عليه ) ، وفي حديث جابر : فلست بصاحبه ، وإنما صاحبه عيسى بن مريم ، عليهما السلام . قوله : ( فلا خير لك في قتله ) ، وفي