العيني

299

عمدة القاري

على وفاته وعظم المصيبة ، أجرى الهجر مجرى شدة الوجع ، وقال الكرماني : وأقول : هو مجاز لأن الهذيان الذي للمريض مستلزم لشدة وجعه ، فأطلق الملزوم وأريد اللازم . قلت : لو كان بتحسين العبارة لكان أولى . قوله : ( دعوني ) ، أي : اتركوني ولا تنازعوا عندي ، فإن الذي أن فيه من المراقبة والتأهب للقاء الله تعالى والفكر في ذلك ونحوه أفضل مما تدعوني إليه من الكتابة ونحوها . قوله : ( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ) ، أخرجوا : أمر من الإخراج ، ولم يتفرغ أبو بكر الصديق ، رضي الله تعالى عنه لذلك ، فأجلاهم عمر ، رضي الله تعالى عنه قيل : كانوا أربعين ألفاً ولم ينقل عن أحد من الخلفاء أنه أجلاهم من اليمن ، مع أنها من جزيرة العرب . وروى أحمد من حديث أبي عبيدة بن الجراح ، رضي الله تعالى عنه : ( أخرجوا يهود الحجاز ، وأهل نجران من جزيرة العرب ) ، وإنما أخرج أهل نجران من الجزيرة ، وإن لم تكن من الحجاز ، لأنه صلى الله عليه وسلم صالحهم على أن لا يأكلوا الربا فأكلوه ، رواه أبو داود من طريق ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما . وقال أحمد بن المعدل : حدثني يعقوب بن محمد بن عيسى عن الزهري قال : قال مالك بن أنس : جزيرة العرب : المدينة ومكة واليمامة واليمن ، وفي رواية ابن وهب عنه : مكة والمدينة واليمن ، وعن المغيرة بن عبد الرحمن : مكة والمدينة واليمن وقرياتها ، وعن الأصمعي : هي ما لم يبلغه ملك فارس من أقصى عدن إلى أطراف الشام ، هذا الطول والعرض من جدة إلى ريف العراق . وفي رواية أبي عبيد عنه : الطول من أقصى عدن إلى ريف العراق طولاً ، وعرضها من جزيرة جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام ، وقال الشعبي : هي ما بين قادسية الكوفة إلى حضرموت ، وقال أبو عبيدة : هي ما بين حفر أبي موسى بطوارة من أرض العراق إلى أقصى اليمن في الطول ، وأما في العرض فما بين رمل بيرين إلى منقطع السماوة . وقال أبو عبيد البكري : قال الخليل : سميت جزيرة العرب لأن بحر فارس وبحر الحبش والفرات ودجلة أحاطت بها ، وهي أرض العرب ومعدنها . وقال أبو إسحاق الحربي : أخبرني عبد الله بن شبيب عن زبير عن محمد بن فضالة : إنما سميت جزيرة لإحاطة البحر بها والأنهار من أقطارها وأطرافها ، وذلك أن الفرات أقبل من بلاد الروم فظهر بناحية قنسرين ثم انحط عن الجزيرة وهي ما بين الفرات ودجلة وعن سواد العراق حتى دفع في البحر من ناحية البصرة والأيلة ، وامتد البحر من ذلك الموضع مغرباً مطبقاً ببلاد العرب منقطعاً عليها ، فأتى منها على سفوان وكاظمة ونفذ إلى القطيف وهجروا أسياف عمان والشحر ، وسال منه عنق إلى حضرموت إلى أبين وعدن ودهلك ، واستطال ذلك العنق فطعن في تهايم اليمن بلاد حكم والأشعريين وعك ، ومضى إلى جدة ساحل مكة ، وإلى الجاد ساحل المدينة وإلى ساحل تيما وإيلة حتى بلغ إلى قلزم مصر وخالط بلادها ، وأقبل النيل في غربي هذا العنق من أعلى بلاد السودان مستطيلاً معارضاً للبحر حتى دفع في بحر مصر والشام ، ثم أقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين ومر بعسقلان وسواحلها وأتى على صور بساحل الأردن وعلى بيروت وذواتها من سواحل دمشق ، ثم نفذ إلى سواحل حمص وسواحل قنسرين حتى خالط الناحية التي أقبل منها الفرات منحطاً على أطراف قنسرين والجزيرة إلى سوار العراق ، فصارت بلاد العرب من هذه الجزيرة التي نزلوها على خمسة أقسام : تهامة ، والحجاز ، ونجد والعروض ، واليمن . قوله : ( وأجيزوا الوفد ) ، وأجيزوا من الإجازة ، يقال : أجازه بجوائز أي : أعطاه عطايا ، قد مر تفسير الجائزة ، والوفد ، ويقال : الجائزة قدر ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل ، وجائزته يوم وليلة . قوله : ( ونسيت الثالثة ) ، قال ابن التين : ورد في رواية أنها القرآن ، وقال المهلب : هي تجهيز جيش أسامة بن زيد ، وقال ابن بطال : كان المسلمون اختلفوا في ذلك على الصديق فأعلمهم أنه صلى الله عليه وسلم ، عهذ بذلك عند موته ، وقال عياض : يحتمل أنها قوله : لا تتخذوا قبري وثناً ، فقد ذكر مالك معناه مع إجلاء اليهود . وههنا فرع ذكره في ( التوضيح ) : وهو يمنع كل كافر عندنا وعند مالك من استيطان الحجاز ، ولا يمنعون من ركوب بحره ولو دخل بغير إذن الإمام أخرجه وعزره إن علم أنه ممنوع ، فإن استأذن في دخوله أذن الإمام أو نائبه فيه إن كان مصلحة للمسلمين ، كرسالة وحمل ما يحتاج إليه . وعن أبي حنيفة : جواز سكناهم في الحرم ويمنع دخول حرم مكة . قال تعالى : * ( إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ) * ( التوبة : 82 ) . والمراد به هنا جميع الحرم . وقال صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان إيس أن يعبد في جزيرة العرب ، فلو دخله ومات لم يدفن فيه ، وإن مات في غير الحرم من الحجاز