العيني

29

عمدة القاري

ورد الباقي على الأقرباء . وقال الطبري : وحكي عن طاووس أن جميع ذلك ينتزع من الموصى لهم ، ويدفع لقرابته لأن آية البقرة عندهم محكمة . وقال أصحابنا الحنفية : الوصية مستحبة لأنها إثبات حق في ماله فلم تكن واجبة كالهبة والعارية ، وليس الاستدلال على وجوب الوصية بحديث الباب بصحيح ، لأن ابن عمر راوي الحديث لم يوصِ ، ومحال أن يخالف ما رواه لو كان واجباً ، وردَّ ذلك بأنه إن ثبت فالعبرة لما روي لا بما رأى . وأجيب عنه : بأن في ذلك نسبته إلى مخالفة النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وحاشاه من ذلك ، فإذا روي عنه أنه لم يوصِ على أن الحديث لم يدل على الوجوب لمانع عن ذلك ظهر عنده لأن أمور المسلمين محمولة على الصلاح والسداد ، ولا سيما مثل هذا الصحابي الجليل المقدار . فإن قلت : ثبت في ( صحيح مسلم ) أنه قال : ( لم أبت ليلة إلاَّ ووصيتي مكتوبة عندي ) . قلت : يعارضه ما أخرجه ابن المنذر وغيره : عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع ، قال : قيل لابن عمر في مرض موته : ألا توصي ؟ قال : أما ما لي فالله يعلم ما كنت أصنع فيه ، وأما رباعي فلا أحب أن يشارك ولدي فيها أحد ، فإذا جمعنا بينهما بالحمل على أنه كان يكتب وصيبته ويتعاهدها ، ثم صار ينجز ما كان يوصي به معلقاً ، وإليه الإشارة بقوله : الله يعلم ما كنت أصنع في مالي ، ولعل الحامل له على ذلك حديث : ( إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح . . . ) الحديث ، سيأتي في الرقاق ، فصار ينجز ما يريد التصدق به ، فلم يحتج إلى تعليق . ونقل ابن المنذر عن أبي ثور أن المراد بوجوب الوصية في الآية والحديث يختص بمن عليه حق شرعي يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوصِ به : كوديعة ودين لله أو لآدمي ، قال : ويدل على ذلك تقييده بقوله : له شيء يريد أن يوصي فيه ، لأن فيه إشارة إلى قدرته على تنجيزه ، ولو كان مؤجلاً فإنه إذا أراد ذلك ساغ له ، وإن أراد أن يوصي به ساغ له . وفيه : جواز الاعتماد على الكتابة والخط ولو لم تقترن ذلك بالشهادة ، وبه قال أحمد ومحمد بن نصر من الشافعية وقال الشافعي : معنى هذا الحديث ما الحزم والاحتياط للمسلم إلاَّ أن تكون وصيته مكتوبة عنده ، فيستحب تعجيلها ، وأن يكتبها في صحته ويُشْهِد على ما فيها ويكتب فيها ما يحتاج إليه ، فإن تجدد أمر يحتاج إلى الوصية به ألحقه با . وقال النووي : قالوا : لا يكلَّف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجريان الأمور المتكررة ، ولا يقتصر على الكتابة بل لا يعمل بها ولا ينتفع إلاَّ إذا كان أشهد عليه بها ، هذا مذهبنا ، ومذهب الجمهور . فإن قلت : من أين اشتراط الإشهاد وإضمار الإشهاد فيه بعد ؟ قلت : استدل على اشتراط الإشهاد بأمر خارج لقوله تعالى : * ( شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ) * ( المائدة : 601 ) . فإنه يدل على اشتراط الإشهاد في الوصية . وقال القرطبي : الكتابة مبالغة في زيادة التوثيق ، وإلاَّ فالوصية المشهود بها متفق عليها ، ولو لم تكن مكتوبة . وفيه : الندب إلى التأهب للموت والاحتراز قبل الفوت لأن الإنسان لا يدري متى يفجأه الموت . وفيه : يستدل بقوله : له شيء . أو : له مال ، على صحة الوصية بالمنافع ، وهو قول الجمهور ، ومنعه ابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، وداود الظاهري وأتباعه ، واختاره ابن عبد البر ، والله أعلم . تابَعَهُ مُحَمَّدُ بنُ مُسْلِمٍ عنْ عَمْرٍ وعنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أي : تابع مالكاً في أصل الحديث : محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، وروى هذه المتابعة الدارقطني في ( الأفراد ) من طريقه . وقال : تفرد بن عمران بن أبان الواسطي عن محمد بن مسلم ، وعمران أخرج له النسائي وضعفه ، وقال ابن عدي : له غرائب عن محمد بن مسلم ، ولا أعلم به بأساً ، ولفظه عند الدارقطني : ( لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين إلاَّ ووصيته مكتوبة عنده ) . ومحمد بن مسلم بن سوسن ، ويقال ابن سوسن ، ويقال : ابن سس ، ويقال : ابن سنين ، ويقال : ابن شونيز الطائفي يعد في المكيين ، وعن أحمد : ما أضعف حديثه ، وعن يحيى : ثقة ، وعنه : لا بأس به ، وذكره ابن حبان في الثقات . استشهد به البخاري في ( الصحيح ) وروى له في الأدب ، وروى له الباقون ، مات سنة سبع وسبعين ومائة بمكة . 9372 حدَّثنا إبراهِيمُ بنُ الحَارِثِ قال حدَّثنا يَحْيى بنُ أبِي بُكَيْرٍ قال حدَّثنا زُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةَ الجُعْفِيُّ قال حدَّثنا أبُو إسحَاقَ عنْ عَمْرِو بنِ الحَارِثِ خَتَنِ رسولِ الله ، صلى الله عليه وسلم أخُو جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحَارِثِ قال ما تَرَكَ رسولُ الله ، صلى الله عليه وسلم عنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمَاً ولا دِينارَاً ولا عَبْداً ولا أمَةً ولا شَيْئاً