العيني
172
عمدة القاري
بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم : كساء إسود مربع له علمان . قوله : ( إن أعطي ) على صيغة المجهول ، قال ابن بطال : أي إن أعطى ماله عمل ورضي عن خالقه ، وإن لم يعط لم يرض ويتسخط بما قدر له ، فصح بهذا أنه عبد في طلب هذين فوجب الدعاء عليه بالتعس لأنه أوقف عمله على متاع الدنيا الفاني وترك النعيم الباقي . قوله : ( لم يرفعه إسرائيل ) ، أي : لم يرفع الحديث إسرائيل ابن يونس عن أبي حصين ، بل وقفه عليه ، وكذا محمد بن جحادة . قوله : ( وزادنا عمرو ) ، وهو عمرو بن مرزوق أحد مشايخ البخاري ، ويروى : وزاد لنا ، والذي زاد له هو قوله : وانتكس . . . إلى آخره ، وروى أبو نعيم الأصبهاني حديث عمرو هذا عن حبيب بن الحسن عن يوسف القاضي ، حدثنا عمرو بن مرزوق أنبأنا عبد الرحمن بن عبد الله . . . فذكره . قوله : ( وانتكس ) بالسين المهملة ، أي : عاوده المرض كما بدأ به ، وقال الطيبي : أي انقلب على رأسه ، وهو دعاء عليه بالخيبة ، لأن من انتكس فقد خاب وخسر . وقال صاحب ( المطالع ) : ذكره بالشين المعجمة وفسره بالرجوع وجعله دعاء له لا عليه ، والأول أوجه . قوله : ( وإذا شيك ) ، بكسر الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف بعدها كاف ، أي إذا أصابته شوكة لا قدر على إخراجها بالمنقاش ، وهو معنى قوله : ( انتقش ) بالقاف والشين المعجمة ، يقال : نقشت الشوكة إذا أخرجتها بالمنقاش ، ويقال : انتقش الرجل إذا سل الشوكة من قدمه ، وذكر ابن قتيبة أن بعضهم رواه بالعين المهملة بدل القاف ، ومعناه صحيح ، لكن مع ذكر الشوكة تقوى رواية القاف ، ووقع في رواية الأصيلي عن أبي زيد المروزي : وإذا شئت ، بتاء مثناة من فوق بدل الكاف ، وهو خطأ فاحش ، وإنما خص إنقاش الشوك بالذكر ، لأن الإنقاش أسهل ما يتصور في المعاونة لمن أصابه مكروه ، فإذا نفى ذلك الأهون فيكون ما فوق ذلك منفياً بالطريق الأولى . قوله : ( طوبى لعبد ) ، طوبى على وزن : فعلى ، من الطيب ، فلما ضمت الطاء انقلبت الياء واواً ، وطوبى : اسم الجنة ، وقيل : هي شجرة فيها ، ويقال : طوبى لك ، وطوباك ، بالإضافة . قوله : ( آخذ ) اسم فاعل من الأخذ مجرور ، لأنه صفة عبد ، و : العنان ، بكسر العين لجام الفرس . قوله : ( أشعث ) صفة لعبد بفتح الثاء ، لأن جره بالفتحة لأنه غير منصرف . وقوله : ( رأسه ) ، مرفوع لأنه فاعل ويجوز في أشعث الرفع ، قاله الكرماني ولم يبين وجهه ، وقال بعضهم : ويجوز في أشعث الرفع على أنه صفة الرأس ، أي : رأسه أشعث . قلت : هذا الذي ذكره لا يصح عند المعربين ، والرأس فاعل أشعث ، وكيف يكون وصفته والموصوف لا يتقدم على الصفة والتقدير الذي قدره يؤدي إلى إلغاء قوله رأسه بعد قوله : أشعث ، وقال الطيبي : أشعث رأسه مغبرة قدماه حالان من قوله : لعبد ، لأنه موصوف . قوله : ( إن كان في الحراسة ) أي : في حراسة العدو ، خوفاً من أن يهجم العدو عليهم وذلك يكون في مقدمة الجيش والساقة مؤخرة الجيش ، والمعنى إيتماره لما أمر وإقامته حيث أقيم لا يفقد من مكانه بحال ، وإنما ذكر الحراسة والساقة لأنهما أشد مشقة وأكثر آفة ، الأول عند دخولهم دار الحرب ، والآخر عند خروجهم منها . فإن قلت : ما وجه اتحاد الشرط والجزاء ؟ قلت : وجه ذلك أنه يدل على فخامة الجزاء وكماله نحو من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، أي : من كان في الساقة فهو في أمر عظيم ، أو المراد منه لازمه ، نحو : فعليه أن يأتي بلوازمه ويكون مشتغلاً بخويصة عمله ، أو قلة ثوابه . قوله : ( إذا استأذن لم يؤذن له ) ، إشارة إلى عدم التفاته إلى الدنيا وأربابها بحيث يفنى بكليته في نفسه لا يبتغي مالاً ولا جاهاً عند الناس ، بل يكون عند الله وجيهاً ، ولم يقبل الناس شفاعته ، وعند الله يكون شفيعاً مشفعاً . قوله : ( يشفع ) ، بفتح الفاء المشددة ، أي : لم تقبل شفاعته . قال أبو عَبْدِ الله لَمْ يَرْفَعْهُ إسْرَائِيلُ وَمُحَمَّدُ بنُ جُحَادَةَ عنْ أبِي حَصِينٍ أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، أي : لم يرفع الحديث المذكور إسرائيل بن يونس ومحمد بن جحادة عن أبي حصين عثمان بن عاصم بل ، وقفاه عليه ، وقد ذكرناه . وقال تَعْساً كأنَّهُ يَقُولُ فأتْعَسَهُمُ الله هكذا وقع في رواية المستملي ، وجرت عادة البخاري في شرح اللفظ التي توافق ما في القرآن بتفسيرها ، وهكذا فسر أهل التفسير قوله تعالى : * ( فتعساً لهم ) * ( محمد : 8 ) . كأنه يقول : فأتعسهم الله ، وقد مر الكلام فيه مستوفىً .