العيني
157
عمدة القاري
السبيعي . وأخرجه مسلم أيضاً . قوله : ( رجل للبراء ) وفي رواية قال للبراء رجل من قيس . قوله : ( أفررتم ؟ ) الهمزة فيه للاستفهام على وجه الاستخبار . قوله : ( يوم حنين ) ، قال الواقدي : حنين وادٍ بينه وبين مكة ثلاث ليال قرب الطائف ، وقال البكري : بضعة عشر ميلاً ، والأغلب فيه التذكير لأنه اسم ماء ، وربما أنثت العرب جعلته إسماً للبقعة ، وهو وراء عرفات سمي بحنين بن قانية بن مهلايل . وقال الزمخشري : هو إلى جنب ذي المجاز ، وكانت سنة ثمان ، وسببها أنه لما أجمع ، صلى الله عليه وسلم ، على الخروج إلى مكة لنصرة خزاعة ، أتى الخبر إلى هوازن أنه يريدهم ، فاستعدوا للحرب حتى أتوا سوق ذي المجاز ، فسار صلى الله عليه وسلم حتى أشرف على وادي حنين مساءً ليلة الأحد ، ثم صالحهم يوم الأحد نصف شوال . قوله : ( لكن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم لم يفر ) ، هذا هو المعلوم من حاله وحال الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، لإقدامهم وشجاعتهم وثقتهم بوعد الله ، عز وجل ، ورغبتهم في الشهادة ، وفي لقاء الله ، عز وجل ، ولم يثبت عن واحد منهم والعياذ بالله أنه فر ، ومن قال ذلك قتل ولم يستتب لأنه صار بمنزلة من قال : إنه صلى الله عليه وسلم كان أسوداً وأعجمياً ، لإنكاره ما علم من وصفه قطعاً ، وذلك كفر . قال القرطبي : وحكي عن بعض أصحابنا الإجماع على قتل من أضاف إليه صلى الله عليه وسلم نقصاً أو عيباً ، وقيل : يستتاب ، فإن تاب وإلاَّ قتل . قال ابن بطال : لأنه كافر إن لم يتأول ويعذر بتأويله . وقال النووي : والذين فروا يومئذ إنما فتحه عليه من كان في قلبه مرض من مسلمة الفتح المؤلفة ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا ، والذين خرجوا الأجل الغنيمة ، وإنما كانت هزيمتهم فجاءة . قوله : ( إن هوازن ) ، هم قبيلة من قيس ، فإن قلت : هذا الاستدراك مماذا ؟ قلت : تقديره : نحن فررنا ، ولكن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم لم يفر ، وحذف لقصدهم عدم التصريح بفرارهم ، وكذلك التقدير في قوله : فأما رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فلم يفر ، تقديره : أما نحن فقد فررنا ، وأما رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فلم يفر . قوله : ( رماة ) ، جمع رام . قوله : ( واستقبلونا ) ويروى : فاستقبلونا ، بالفاء . قوله : ( على بغلته البيضاء ) ، واختلف في هذه البغلة ، ففي مسلم : كانت بيضاء أهداها له فروة ابن نفاثة . وفي لفظ : كانت شهباء ، وفي رواية ابن سعد : كان راكباً دلدل التي أهداها له المقوقس ، فيحتمل أن يكون ركبهما يومئذ ، نزل عن واحدة وركب الأخرى ، وركوبه يومئذ البغلة هو النهاية في الشجاعة والثبات ، لا سيما في نزوله عنها ، ومما يدل على شجاعته تقدمه يركض على البغلة إلى جمع المشركين حين فر الناس ، وليس معه غير اثني عشر نفراً ، وكان العباس وأبو سفيان آخذين بلجام البغلة يكفانها عن الإسراع به إلى العدو ، وأبو سفيان هو ابن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة ، قيل : اسمه كنيته ، وقيل : اسمه المغيرة ، وكان من فضلاء الصحابة ، مات بالمدينة سنة عشرين . قوله : ( والنبي يقول ) ، الواو فيه للحال . وقوله : ( أنا النبي لا كذب ) ، زعم ابن التين أن بعض أهل العلم كان يرويه : لا كذب ، بنصب الباء ليخرجه عن أن يكون موزوناً ، وفيه إثبات لنبوته صلى الله عليه وسلم كأنه قال : أنا ليس بكاذب فيما أقول ، فيجوز على الانهزام ، وانتسابه إلى جده لرؤيا كان عبد المطلب رآها دالة على نبوته مشهورة عند العرب وعبررها له سيف ابن ذي يزن ، فيما ذكره ابن ظفر . قلت : قصته أن عبد المطلب لما وفد على سيف بن ذي يزن في جماعة من قريش أخبر سيف أن يكون في ولده نبي ، وكان ذلك مما يناقله أهل اليمن كابراً عن كابر إلى أن بلغ سيفاً . وقيل : لأن شهرة جده كانت أكثر من شهرة أبيه ، لأنه توفي شاباً في حياة أبيه . وفيه : جواز الانتماء في الحرب ، وإنما كره من ذلك ما كان على وجه الافتخار في غير الحرب ، لأنه رخص في الخيلاء في الحرب مع نهيه عنها في غيرها . فإن قلت : الفرار من الزحف كبيرة ، فكيف بمن انهزم هنا ؟ قلت : قال الطبري : الفرار المتوعد عليه هو أن ينوي أن لا يعود إذا وجد قوة وأما من تحيز إلى فئة أو كان فراره لكثرة عدد العدو ، ونوى العود إذا أمكنه ، ليس داخلاً في الوعيد ، ولهذا قال ، عز وجل ، في حق هؤلاء * ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) * ( التوبة : 66 ) . وفيه : جواز الأخذ بالشدة والتعرض للهلكة في سبيل الله ، لأن الناس فروا عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . ولم يبق إلاَّ اثني عشر رجلاً ، وهم : عتبة ومعتب ابني أبي لهب وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وأبو بكر وعمر وعلي والفضل بن عباس وأسامة وقثم بن العباس وأيمن بن أم أيمن وقتل يومئذ ، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وأم سليم أم أنس بن مالك من النساء . وفيه : ركوب البغال في الحرب للإمام ليكون أثبت له ، ولئلا يظن به الاستعداد للفرار والتولي ، وهو من باب السياسة لنفوس الاتباع لأنه إذا ثبت أتباعه ، وإذا ريىء منه العزم على الثبات عزم عليه .