العيني

140

عمدة القاري

الحنطة . قلت : هذا الوهم بعيد ولا معنى يفيد أن يتحنط من الحنطة ، وهذه اللفظة لم تقع في رواية الأنصاري ، ولكنها موجودة في الأصل . وروى الطبراني عن علي بن عبد العزيز وأبي مسلم الكبشي ، قالا : حدثنا حجاج بن منهال ( ح ) وحدثنا محمد بن العباس المؤدب حدثنا عفان أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن ثابت بن قيس بن شماس جاء يوم اليمامة وقد تحنظ ونشر أكفانه ، وقال : اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ، وأعتذر مما صنع هؤلاء ، فقيل : وكانت له درع فسرقت ، فرآه رجل فيما يرى النائم ، فقال : إن درعي في قدر تحت كانون في مكان كذا وكذا ، وأوصاه بوصايا ، فطلبوا الدرع فوجدوها وانفذوا الوصايا . وعند الترمذي : قال أنس : لما انكشف الناس يوم اليمامة ، قلت لثابت . . . فذكر الحديث . وفيه : وكان عليه درع نفيسة ، فمر به رجل من المسلمين فأخذوها . وفيه : لما رأى في المنام ودل على الدرع ، قال : لا تقل هذا منام ، فإذا جئت أبا بكر فأعلمه أن على من الدين كذا وكذا ، وفلان من رقيقي عتيق ، وفلان . . . فأنفذ أبو بكر وصيته ، ولا يعلم أحد أجيزت وصيته بعد موته سواه . وفي كتاب ( الردة ) للواقدي بإسناده عن بلال أنه رأى سالم مولى أبي حذيفة ، وهو قافل إلى المدينة من غزوة اليمامة : أن درعي مع الرفقة الذين معهم الفرس الأبلق تحت قدرهم ، فإذا أصبحت فخذها وأدِّها إلى أهلي ، وإن علي شيئاً من الدين فمرهم أن يقضوه عني ، فأخبرت أبا بكر بذلك ، فقال : نصدق قولك ونقضي عنه دينه الذي ذكرته . وفيه : أن عبدي سعدا وسالما حران . وقال الكرماني : قال أنس : لما انكشف الناس يومئذ : ألا ترى يا عم ؟ فقال : ما هكذا نقاتل مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بئسما عودتم أقرانكم . ثم قاتل حتى قتل ، وكان عليه درع نفيسة ، فمر به رجل من المسلمين فأخذها ، فرآه بعض الصحابة في المنام ، فقال : إني أوصيك بوصية فلا تضيعها ، إني لما قتلت أخذ رجل درعي ، ومنزله في أقصى الناس ، وعند خبائه فرس ، وقد كفا على الدرع برمة وفوق البرمة رحل ، فأتِ خالداً ، وكان أمير العسكر وقل له يأخذ درعي منه ، فإذا قدمت المدينة فقل لخليفة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يعني : أبا بكر ، رضي الله تعالى عنه : إن علي من الدين كذا وكذا ، وفلان من رقيق عتيق . فأتى الرجل خالداً ، رضي الله تعالى عنه ، فأخبره ، فبعث إلى الدرع فأتى بها ، وحدث أبا بكر فأجاز وصيته ، ولا نعلم أحداً أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت ، وهو من الغرائب . قوله : ( فذكر في الحديث انكشافاً ) أي : فذكر أنس في حديثه نوعاً من الانهزام ، أي : أشار إلى الفرج بين وجوه المسلمين والكافرين بحيث لا يبقى بيننا وبينهم أحد ، وقدرنا على أن نضاربهم بلا حائل بيننا وبينم ، فقال ثابت : ما كنا نفعل كذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل كان الصف الأول لا ينحرف عن موضعه ، وكان الصف الثاني مساعداً لهم ، وفي رواية ابن أبي زائدة : فجاء حتى جلس في الصف والناس منكشفون ، أي : منهزمون . قوله : ( بئس ما عودتم أقرانكم ) ، هكذا في رواية الأكثرين ، ووقع في رواية المستملي : عودكم أقرانكم . قلت : فعلى الأول : أقرانكم ، بالنصب ، لأنه مفعول : عودتم ، وعلى الثاني : بالرفع ، لأنه فاعل : عودكم . والأقران : النظراء ، وهو جمع قرن ، بكسر القاف ، وهو الذي يعادل الآخر في الشدة ، والقرن ، بفتح القاف : من يعادل في السن ، وأراد ثابت ، رضي الله تعالى عنه ، بهذا الكلام توبيخ المنهزمين ، أي : عودتم نظراءكم في القوة من عدوكم الفرار منهم حتى طمعوا فيكم ؟ وفي رواية الأنصاري وابن أبي زائدة ، ومعاذ بن معاذ : فتقدم فقاتل حتى قتل ، رضي الله تعالى عنه . ذكر ما يستفاد منه : فيه : دلالة على الأخذ بالشدة في استهلاك النفس وغيرها في ذات الله ، عز وجل ، وترك الأخذ بالرخصة لمن قدر عليها . وفيه : أن التطيب للموت سنة من أجل مباشرة الملائكة للميت . وفيه : التداعي للقتال ، لأن أنساً قال لعمه : ما يحبسك أن لا تجيء ؟ وفيه : قوة ثابت بن قيس وصحة يقينه ونيته . وفيه : التوبيخ لمن نفر من الحرب . وفيه : الإشارة إلى ما كانت عليه الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الشجاعة والثبات في الحرب . رَوَاهُ حَمَّادٌ عنْ ثَابِتَ عنْ أنَسٍ أي : روى الحديث حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ، وهذا التعليق وصله البرقاني عن أبي العباس ابن حمدان بالإسناد عن قبيصة بن عقبة عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بلفظ : انكشفنا يوم اليمامة فجاء ثابت بن