العيني
131
عمدة القاري
ومواجهة العدو ، كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في عددهم وعددهم : قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض . الحديث ، وقال محمد بن إسحاق حدثني ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس ، قال : لما نزلت هذه الآية أعني قوله : * ( يا أيها النبيِّ حرض المؤمنين ) * ( الأنفال : 56 ) . الآية ، ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين ، ومائة ألفاً ، فخفف الله عنهم ، فنسخها بالآية الأخرى فقال : * ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً . . . ) * ( الأنفال : 66 ) . الآية فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغي لهم أن يفروا من عدوهم ، وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم ، وجائز لهم أن يتحوزوا . وروي عن علي بن أبي طلحة العوفي عن ابن عباس ، نحو ذلك ، وقال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني والضحاك نحو ذلك . 4382 حدَّثنا عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا مُعاوِيةُ بنُ عَمْرٍ وقال حدَّثنا أبُو إسْحَاقَ عنْ حُمَيْدٍ قال سَمِعْتُ أنَساً رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ خَرَجَ رسولُ الله ، صلى الله عليه وسلم إلى الخَنْدَقِ فإذَا المهاجِرُونَ والأنْصَارُ يَحْفِرُونَ في غَدَاةٍ بارِدَةٍ فلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ فلَمَّا رَأى ما بِهِمْ مِنَ النَّبَبِ والجوُعِ قال : * أللهُمَّ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةَ * فاغْفِرْ لِلأنْصَارِ والمهاجِرَة * فقالُوا مُجِيبينَ لَهُ : * نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّدَاً * علَى الجِهَادِ ما بَقِينا أبَدَاً * . مطابقته للترجمة من حيث إن في قوله صلى الله عليه وسلم : * اللهم إن العيش عيش الآخرة * تحريضهم على ما هم فيه لكونه من الجهاد ، ورجاله قد ذكروا في إسناد الحديث السابق في الباب الذي قبله . قوله : ( خرج رسول الله ، صلى الله عليه وسلم إلى الخندق ) ، وكان في شوال سنة خمس من الهجرة ، نص على ذلك ابن إسحاق وعروة بن الزبير وقتادة . وقال موسى بن عقبة عن الزهري : أنه قال : كانت الأحزاب في شوال سنة أربع ، وكذلك قال مالك بن أنس ، وكان سبب ذلك أنه ، صلى الله عليه وسلم ، لما بلغه اجتماع الأحزاب وهي القبائل واتفاقهم على محاربته صلى الله عليه وسلم ، ضرب الخندق على المدينة . قال ابن هشام : يقال إن الذي أشار به سلمان ، رضي الله تعالى عنه . وقال الطبري والسهيلي : أول من حفر الخنادق منوجهر بن أيرج ، وكان في زمن موسى ، عليه الصلاة والسلام . قوله ( فإذا ) كلمة إذ المفاجأة قوله : ( ما بهم ) ، أي : الأمر الملتبس بهم . قوله : ( من النصب ) ، أي : التعب . قوله : ( والجوع . . . ) ) . قوله : ( قال ) أي : النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة . . ) إلى آخره ، وقال الداودي : إنما قال ابن رواحة : لا هم ، بلا ألف ، ولا لام ، فأتى به بعض الرواة على المعنى ، وهذا موزون . وقال ابن التين : بالألف واللام . . . إلى آخره ، فليس بموزون ، ولا هو رجز . وقال ابن بطال : ليس هو من قول رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بل هو من قول ابن رواحة ، ولو كان من لفظه لم يكن بذلك شاعراً ، ولا ممن ينبغي له الشعر ، وإنما يسمي به من قصد صناعته وعلم السبب والوتد والشطر وجميع معانيه من ا لزحاف والخرم والقبض ونحو ذلك . قلت : فيه نظر ، لأن شعراء العرب لم يكونوا يعلمون ما ذكره من ذلك . قوله : ( إن العيش ) ، أي : العيش المعتبر ، أو العيش الباقي . قوله : ( فاغفر للأنصار ) ويروى ( للأنصار ) ، ويخرج به عن الوزن . قوله : ( بايعوا ) ، ويروى : ( بايعنا ) . وفيه من الفوائد : أن للحفر في سبيل الله وتحصين الديار وسد الثغور منها أجر ، كأجر القتال ، والنفقة فيه محسوبة في نفقات المجاهدين إلى سبعمائة ضعف . وفيه : استعمال الرجز والشعر إذا كانت فيه إقامة النفوس وإثارة الأنفة والمعرة .