العيني

126

عمدة القاري

النبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمْ أرَهُ مُفْطِرَاً إلاَّ يَوْمَ فِطْر أوْ أضْحًى . مطابقته للترجمة ظاهرة . وثابت ، بالثاء المثلثة : ابن أسلم أبو محمد البصري البناني ، بضم الباء الموحدة وتخفيف النون الأولى وكسر الثانية : نسبة إلى بنانة ، وهم ولد سعد بن لؤي ، وبنانة زوجة سعد ، وقيل : كانت أمة له . والحديث من أفراده وأبو طلحة زوج أم أنس ، واسمه زيد بن سهل الأنصاري ، وكان أبو طلحة اعتمد على قوله صلى الله عليه وسلم : تقووا لعدوكم بالإفطار وكان فارس الحرب ومن له الاجتهاد فيها ، فلذلك كان يفطر ليتقوى على العدو ، وهذا يدل على فضل الجهاد على سائر أعمال التطوع ، فلما مات ، عليه الصلاة والسلام ، وقوي الإسلام واشتدت وطأته على العدو ، ورأى أنه في سعة عما كان عليه من الجهاد ، رأى أن يأخذ بحظه من الصوم ليجمع له هاتان الطاعتان العظيمتان ، وليدخل يوم القيامة من باب الريان . قوله : ( لم أره مفطراً ) هذا من كلام أنس ، أي : لم أر أبا طلحة يفطر ( إلا يوم فطر أو أضحى ) أي : أو يوم أضحى ، وكان لا يصومهما للنهي الوارد فيه ، ويدخل فيه صوم أيام التشريق . قالوا : هذا خلاف ما كان عليه الفقهاء . فإن قلت : روى الحاكم في ( مستدركه ) من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس : أن أبا طلحة أقام بعد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم أربعين سنة لا يفطر إلاَّ يوم فطر أو أضحى . قلت : هنا مأخذان على الحاكم . أحدهما : أن أصل الحديث في البخاري ، فلا يصح الاستدراك . والآخر : أن هذا المقدار الذي ذكره في حياته بعد النبي ، صلى الله عليه وسلم فيه نظر ، لأنه لم يعش بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلاَّ ثلاثاً أو أربعاً وعشرين سنة ، وصرح بعضهم بأن الزيادة في مقدار حياته بعد النبي صلى الله عليه وسلم غلط . قلت : التصريح بالغلط غلط ، لأن أبا عمر ، قال : قال أبو زرعة : عاش أبو طلحة بالشام بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم أربعين سنة يسرد الصوم ، وقال أبو زرعة : سمعت أبا نعيم يذكر ذلك عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ، أنه يعني : أن أبا طلحة سرد الصوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين سنة . 03 ( ( بابٌ الشَّهادَةُ سَبْعٌ سِوَى القَتْلِ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه الشهادة سبع أي : سبعة أنواع ، وكونها سبعاً باعتبار الشهداء ، ولهذا جاء في حديث جابر بن عتيك عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : الشهداء سبعة أنواع سوى القتل في سبيل الله تعالى : المطعون شهيد ، والغريق شهيد ، وصاحب ذات الجنب ، شهيد ، والمبطون شهيد ، والحريق شهيد ، والذي يموت تحت الهدم شهيد ، والمرأة تموت بجمع شهيد . . . الحديث . . . في ( الموطأ ) . قوله : ( بجمع ) ، بضم الجيم وسكون الميم وفي آخره عين مهلمة : بمعنى المجموع ، كالذخر بمعنى المذخور ، وهو أن تموت المرأة وفي بطنها ولد ، وقيل : التي تموت بكراً ، وكسر الكسائي الجيم . وفي حديث الباب : الشهداء خمسة على ما يأتي . وروى الحارث بن أبي أسامة من حديث أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( الشهداء ثلاثة : رجل خرج بنفسه وماله صابراً محتسباً لا يريد أن يقتل ولا يقتل ، فإن مات أو قتل غفرت له ذنوبه كلها ، ويجار من عذاب القبر ، ويؤمن من الفزع الأكبر ، ويزوج من الحور العين ، ويخلع عليه حلة الكرامة ، ويوضع على رأسه تاج الخلد . والثاني : رجل خرج بنفسه وماله محتسباً يريد أن يقتل ولا يقتل ، فإن مات أو قتل كانت ركبته وركبة إبراهيم الخليل ، عليه الصلاة والسلام ، بين يدي الله ، عز وجل ، في مقعد صدق . والثالث : رجل خرج بنفسه وماله محتسباً يريد أن يقتل أو يقتل ، فإن مات أو قتل فإنه يجيء يوم القيامة شاهراً سيفه واضعه على عاتقه والناس جاثون على الركب ، يقول : أفسحوا لنا فإنا قد بذلنا دماءنا لله ، عز وجل ، والذي نفسي بيده ، لو قال ذلك لإبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، أو لنبي من الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، لتنحى لهم عن الطريق لما يرى من حقهم ، ولا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه ، ولا يشفع في أحد إلاَّ شفع فيه ويعطى في الجنة ما أحب . . . الحديث بطوله . وروى الترمذي من حديث فضالة بن عبيد ، يقول : سمعت عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الشهداء أربعة : رجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فصدق الله حتى قتل ، فذاك الذي يرفع الناس إليه أعينهم يوم القيامة ، هكذا ، ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوته ، فما أدري أقلنسوة عمر أراد أم قلنسوة النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ورجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فكأنما ضرب جلده بشوك طلح من الجبن أتاه سهم غرب فقتله ، فهو في الدرجة الثانية . ورجل مؤمن خلط عملاً صالحاً فصدق الله حتى قتل فذاك ، في الدرجة الثالثة ،