العيني

121

عمدة القاري

أبو مالك الغفاري وابن الضحاك : هذه أول آية نزلت من براءة ، ثم نزل أولها وآخرها ، وفي التفسير ، قال جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم : لما نزلت آية الجهاد منا الثقيل وذو الحاجة والضيعة والشغل ، فنزل قوله تعالى : * ( انفروا خفافاً ثقالاً ) * ( التوبة : 14 ) . ويقال : كان المقداد عظيماً سميناً ، جاء إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم وشكى إليه ، وسأل أن يأذن له ، فنزلت انفروا . . . الآية ، أمر الله بالنفير العام مع الرسول صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب ، وحتَّم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال في المنشط والمكره والعسر واليسر ، فقال : * ( انفروا خفافاً وثقالاً ) * ( التوبة : 14 ) . وعن أبي طلحة : كهولاً وشباناً ، ما سمع الله عذر أحد ، ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل ، وهكذا روي عن ابن عباس وعكرمة والحسن البصري والشعبي ومقاتل ابن حيان وزيد بن أسلم . وقال مجاهد : شباناً وشيوخاً وأغنياء ومساكين . وقال الحكم بن عتيبة : مشاغيل وغير مشاغيل . وعن ابن عباس : انفروا نشاطاً وغير نشاط . وكذا قال قتادة ، وعن الحسن البصري : في العسر واليسر ، وقيل : الخفاف أهل اليسرة ، والثقال أهل العسرة . وقيل : أصحاء ومرضى ، وقيل : مقلين من السلاح ومكثرين . وقيل : رجالاً وركباناً ، وقيل : عزباناً ومتأهلين . وقال السدي : لما نزلت هذه الآية اشتد على الناس شأنها ، فنسخها الله تعالى فقال : * ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا الله ورسوله ) * ( التوبة : 19 ) . وخفافاً ، جمع خفيف ، و : ثقالاً ، جمع ثقيل وانتصابهما على الحال من الضمير الذي في : انفروا . قوله : * ( جاهدوا بأموالكم وأنفسكم ) * ( التوبة : 14 ) . إيجاب للجهاد بهما إن إمكن ، أو بأحدهما على حسب الحال . قوله : * ( ذلكم خير لكم ) * ( التوبة : 14 ) . يعني : في الدنيا والآخرة ، لأنكم تغرمون في النفقة قليلاً فيغنمكم أموال عدوكم في الدنيا مع ما يدخر لكم من الكرامة في الآخرة إن كنتم تعملون أن الله يريد الخير . قوله : * ( لو كان عرضاً قريباً . . . ) * ( التوبة : 14 ) . الآية نزلت في المنافقين في غزوة تبوك ، والمعنى : لو كان ما دعوا إليه غنيمة قريبة وسفراً قاصداً ، أي : سهلاً قريباً لاتبعوك طمعاً في المال ، ولكن بعدت عليهم الشقة أي : السفر البعيد . وقرأ ابن عمير عبيد ، بكسر الشين ، وهي لغة قيس قوله : وسيحلفون بالله ، أي : يحلفون بالله لكم إذا رجعتم إليهم : لو استطعنا لخرجنا معكم أي : لو قدرنا ، وكان لنا سعة من المال لخرجنا معكم ، وذلك كذب منهم ونفاق لأنهم كانوا مياسير ذوي أموال . قال الله تعالى : * ( يهلكون أنفسهم والله يعلم أنهم لكاذبون ) * ( التوبة : 24 ) . وقال الزمخشري : يهلكون أنفسهم إما أن يكون بدلاً من سيحلفون ، أو حالاً بمعنى مهلكين ، والمعنى : أنهم يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب ، وبما يحلفون عليه من التخلف . وقَوْلِهِ * ( يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مالَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفُرُوا في سَبِيلِ لله أثَّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بالحياةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ ) * إلى قَوْلِهِ * ( علَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * ( التوبة : 83 ) . وقوله ، بالجر عطف على قوله الأول . هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحمارة القيظ ، فقال تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا . . . ) * ( التوبة : 83 ) . الآية ، قوله : إثَّاقلتم ، أصله تثاقلتم ، أدغمت التاء في الثاء فسكنت الأولى ، فأتى بألف الوصل ليتوصل بها إلى النطق بالساكن ، معناه : تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار . قوله : * ( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ) * ( التوبة : 83 ) . أي : بدل الآخرة ، ثم قال تعالى : * ( فما متاع الحياة الدنيا ) * ( التوبة : 83 ) . هذا تزهيد من الله في الدنيا وترغيب في الآخرة بأن متاع الدنيا قليل بالنسبة إلى الجنة ، لانقطاع ذلك ودوام هذا ، ثم توعد على ترك الخروج فقال : ألا تنفروا : أي : ألا تخرجوا مع نبيكم إلى الجهاد يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم لنصرة نبيه وإقامة دينه . قوله : * ( ولا تضروه شيئاً ) * أي : ولا تضروا الله تعالى بتوليتكم عن الجهاد ونكولكم وتثاقلكم عنه ، والله على كل شيء قدير أي : قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم . ويُذْكَرُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ انْفِرُوا ثُبَاتٍ سَرَايا مُتَفَرِّقِينَ يُقالُ أحَدُ الثُّبَاتِ ثُبَةٌ هذا التعليق وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه ، وذكره إسماعيل بن أبي زياد الشامي في تفسيره عنه ، ومعناه : أخرجوا ثبات ، يعني سرية بعد سرية ، أو انفروا مجتمعين . قوله : ( ثبات ) ، بضم الثاء المثلثة وتخفيف الباء الموحدة ، وهو جمع : ثبة ، وهي الجماعة ، وجاء جمعها أيضاً : ثبون وثبون وأثابي ، وأصل : ثبة ، ثبي ، على وزن : فعل ، بضم الفاء وفتح العين . وفي ( التوضيح ) :