العيني

112

عمدة القاري

وهي موضع من جهة نجد بين أرض بني عامر وحرة بني سليم ، وكانت غزوتُها سنة أربع . قوله : ( على رعل ) ، بدل من الذين قتلوا بإعادة العامل . قوله : ( ثم نسخ ) ، معناه سقط ذكره لتقادم عهده إلاَّ أن يذكر بطريق الرواية ، وليس معناه النسخ الذين بدل مكانه خلافه ، لأن الخبر لا يدخله نسخ ، والقرآن ربما نسخ لفظه ، وبقي حكمه مثل : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ) ومعنى النسخ هنا أنه أسقط لفظه من التلاوة . قال السهيلي : هذا المذكور ، أعني : ما نزل ، نسخ وليس عليه رونق الإعجاز . قوله : ( رضينا عنه ) ، وقد تقدم بلفظ أرضانا ، والحال لا يخلو من أحدهما . وأجيب : بأن القرآن المنسوخ يجوز نقله بالمعنى . وقال المهلب : في الحديث دلالة على أن من قتل غدراً فهو شهيد ، لأن أصحاب بئر معونة قتلوا غدراً . واختلف الناس في كيفية حياة الشهيد ، فقال ابن بطال : إن الأرواح ترزق ، وكذا جاء الخبر في ( صحيح ابن حبان ) : إنما نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة ، قال أهل اللغة : يعني تأكل منها . قال ابن قرقول : بضم اللاَّم ، أي : تتناوله ، وقيل : تشمه . وهذا الحديث عام وقد خصه القرآن العزيز باشتراط الشهادة . وقال الداودي : أرواح الشهداء في حواصل طير ، وقال ابن التين : هذا لا يصح في العقل ، ولا في الاعتبار ، لأنها إن كانت هي أرواح الطير فكيف تكون في الحواصل دون سائر الجسد ، وإن كان لها أرواح غيرها فكيف يكون لها روحان في جسد ؟ وكيف تصل لهم الأرزاق التي ذكر الله عز وجل . انتهى . وفيه نظر ، لأن مسلماً أخرج في ( صحيحه ) : عن محمد بن عبد الله بن نمير أخبرنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال : سألنا عبد الله عن هذه الآية : * ( ولا تحسبن الذين قتلوا . . . ) * ( آل عمران : 971 ) . الآية ، فقال : إنا قد سألنا عن ذلك ، فقال : أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل . . . الحديث ، وروى الحاكم على شرط مسلم من حديث ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( لما أصيب إخوانكم بأحد . . ) الحديث ، ذكرناه عن قريب ، وروى ابن أبي عاصم من حديث ابن مسعود : ( أن الثمانية عشر من أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، جعل الله أرواحهم في الجنة في طير خضر ) ، وفي لفظ : ( أرواح الشهداء عند الله كطير خضر في قناديل تحت العرش ) . ومن حديث عطية عن أبي سعيد ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : أرواح الشهداء في طير خضر ترعى في رياض الجنة ثم تكون مأواها قناديل معلقة بالعرش . ومن حديث موسى بن عبيدة الربذي عن عبيد الله بن يزيد عن أم قلابة ، أظنها أم مبشر ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إن أرواح المؤمنين طير خضر في حجر من الجنة ، يأكلون من الجنة ويشربون من الجنة ، وبسند صحيح إلى كعب بن مالك يرفعه أرواح الشهداء في طير خضر ) ، وعند مالك في ( الموطأ ) : نسمة المؤمن طائر . وتأول بعض العلماء لفظ : في ، في قوله : في جوف طير ، بمعنى : على ، فيكون المعنى : أرواحهم على جوف طير خضر ، كما في قوله : * ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) * ( طه : 17 ) . أي : على جذوع النخل . وقال الطيبي ، قوله : ( أرواحهم في جوف طير خضر ) ، أي : يخلق لأرواحهم بعدما فارقت أبدانهم هياكل على تلك الهيئة تتعلق بها وتكون خلفاً عن أبدانهم ، فيتوسلون بها إلى نيل ما يشتهون من اللذات الحسية . وقال القاضي عياض : واختلفوا فيه ، فقيل : ليست للأقيسة والعقول في هذا حكم ، فإذا أراد الله أن يجعل الروح ، إذا خرجت من المؤمن أو الشهيد ، في قناديل أو جوف طير أو حيث شاء كان ذلك ، ووقع ولم يبعد ، لا سيما على القول بأن الأرواح أجساد فغير مستحيل أن يصور جزء من الإنسان طائراً ، أو يجعل في جوف طائر في قناديل تحت العرش . وقد اختلفوا في الروح . فقال كثير من أرباب علم المعاني وعلم الباطن والمتكلمين : لا نعرف حقيقته ولا يصح وصفه . وهو ما جهل العباد بعلمه ، واستدلوا بقوله تعالى : * ( قل الروح من أمر ربي ) * ( الإسراء : 58 ) . وقال كثيرون من شيوخنا : هو الحياة ، وقال آخرون : هو أجسام لطيفة مشاكلة للجسم يحيى بحياته ، أجرى الله العادة بموت الجسم عند فراقه ، ولهذا وصف بالخروج والقبض وبلوغ الحلقوم ، قال الشيخ : هذا هو المختار ، وقد تعلق بهذا الحديث وأمثاله بعض القائلي بالتناسخ وانتقال الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة وتعذيبها في الصور القبيحة المسخرة ، وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب ، وهذا باطل مردود لإبطاله ما جاءت الشرائع من إثبات الحشر والنشر والجنة والنار .