العيني
108
عمدة القاري
لِلذِّكْرِ والرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكانُهُ فَمَنْ في سَبِيلِ الله قال منْ قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ العُلْيَا فَهْوَ في سَبِيلِ الله . . مطابقته للترجمة في قوله : ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) . وعمرو : هو ابن مرة ، وأبو وائل هو شقيق ابن سلمة ، وأبو موسى اسمه عبد الله بن قيس . والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الخمس عن محمد بن كثير ، وفي العلم عن عثمان بن أبي شيبة والحديث مضى في كتاب العلم في : باب من سأل وهو قائم عالماً جالساً ، وقد مضى الكلام فيه هناك . قوله : ( جاء رجل ) ، في رواية غندر : ( جاء أعرابي ) ، قيل : هذا يدل على وهم ما وقع عند الطبراني من وجه آخر عن أبي موسى أنه قال : يا رسول الله . . . فذكره ، فإن أبا موسى ، وإن جاز أن يبهم نفسه ، لكن لا يصفها بكونه أعرابياً ، وقيل : إن هذا الأعرابي يصلح أن يفسر بلاحق بن ضميرة ، وحديثه عند أبي موسى المديني في الصحابة من طريق عفير بن معدان : سمعت لاحق ابن ضميرة الباهلي ، قال : وفدت على النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن الرجل يلتمس الأجر والذكر ؟ فقال : لا شيء . . . له الحديث ، وفي إسناده ضعف . قوله : ( للذكر ) ، أي : بين الناس ، يعني : الشهرة . قوله : ( ليرى ) ، على صيغة المجهول . قوله : ( مكانه ) ، أي : مرتبته في الشجاعة . قوله : ( كلمة الله ) ، أي : التوحيد ، فهو المقاتل في سبيل الله لا طالب الغنيمة والشهرة ، ولا مظهر الشيء عنه . 61 ( ( بابُ منِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ في سَبيلِ الله ) ) أي : هذا باب في بيان فضل من اغبرت قدماه واغبرار القدمين عبارة عن الاقتحام في المعارك لقتال الكفار ، ولا شك أن الغبار يثور في المعركة حال مصادمة الرجال ويعم سائر الأعضاء ، ولكن تخصيص القدمين بالذكر لكونهما عمدة في سائر الحركات . وقَوْلِ الله تعالى * ( ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ) * إلى قَوْلِهِ * ( إنَّ الله لاَ يُضِيعُ أجْرَ الْمُحْسِنينَ ) * ( التوبة : 021 ) . وقول الله ، بالجر عطفاً على قوله : من اغبرت أي : وفي بيان قول الله عز وجل : * ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ، ولا يطأون موطأ يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلاَّ كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ) * وقال ابن بطال : مناسبة الآية للترجمة أنه سبحانه وتعالى قال في الآية ) : * ( ولا يطأون موطأ يغيظ الكفار ) * ( التوبة : 021 ) . وفي الآية : * ( إلاَّ كتب لهم به عمل صالح ) * ( التوبة : 021 ) . قال : فسر النبي ، صلى الله عليه وسلم العمل الصالح أن النار لا تمس من عمل بذلك . قال : والمراد بسبيل الله جميع طاعاته . وقيل : مطابقة الآية من جهة أن الله أثابهم بخطواتهم وإن لم يباشروا قتالاً ، وكذلك دل الحديث على : أن من اغبرت قدمه في سبيل الله حرمه الله على النار ، سواء باشر قتالاً أم لا . وفي ( تفسير ابن كثير ) : عاتب الله تعالى المتخلفين عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك من أهل المدينة ومن حولها من أحياء العرب ، ونفى رغبتهم بأنفسهم عن مواساته فيما حصل من المشقة ، فإنهم نقصوا أنفسهم من الأجر ، لأنه لا يصيبهم ظمأ وهو العطش ولا نصب ، وهو التعب ولا مخمصة وهي المجاعة ، ولا يطأن موطئاً يغيظ الكفار أي : لا ينزلون منزلاً يرهب عدوهم ، ولا ينالون منه ظفراً وغلبة عليه ، إلا كتب الله لهم بهذه الأعمال التي ليست داخلة تحت قدرهم ، وإنما هي ناشئة عن أفعالهم أعمالاً صالحة وثواباً جزيلاً إن الله لا يضيع أجر المحسنين ، كما قال تعالى : * ( إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً ) * ( الكهف : 03 ) . وفي تفسير الثعلبي ظاهر قوله : * ( ما كان لأهل المدينة ) * ( الكهف : 03 ) . خبر ومعناه أمر ، والأعراب سكان البوادي : مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار ، أن يتخلفوا عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم إذا غزا ، وقال ابن عباس : كتب لهم بكل روعة تنالهم في سبيل الله سبعين ألف حسنة . وقال قتادة : هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلاَّ بعذر ، فأما غيره من الأئمة والولاة ، فمن شاء أن يتخلف تخلف . وقال الوليد بن مسلم : سمعت الأوزاعي ، وابن المبارك والفزاري وابن جابر وسعيد بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية : إنها لأول هذه الأمة وآخرها . وقال ابن زيد : كان هذا وأهل الإسلام قليل ، فلما كثروا نسخها الله عز وجل ، وأباح التخلف لمن شاء ، فقال :