العيني

100

عمدة القاري

وقال مالك والشافعي وأحمد : لا يجوز كما في قتل الخطأ ، وعن أحمد كقولنا وعنه : يجوز مطلقاً ، ولنا إطلاق النصوص وآية القتل مقيدة بالإيمان ، والأصل في كل نص أن يعمل بمقتضاه إطلاقاً وتقييداً . 31 ( ( بابُ مَنْ مَلَكَ مِنَ الْعَرَبِ رَقيقاً فوَهَبَ وباَعَ وجامعَ وفَداى وسَباى الذُّرِّيَّةَ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم من ملك من العرب رقيقاً ، والعرب الجيل المعروف من الناس ولا واحد له من لفظه ، وسواء أقام بالبادية أو المدن ، والأعراب ساكنوا البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلون بها إلاَّ لحاجة ، والنسب إليها أعرابي وعربي . واختلف في نسبتهم ، والأصح : أنهم نسبوا إلى عربة ، بفتحتين : وهي من تهامة ، لأن أباهم إسماعيل ، عليه الصلاة والسلام ، نشأ بها . قوله : ( فوهب . . . ) إلى آخره ، تفصيل قوله : ملك ، فذكر خمسة أشياء : الهبة والبيع والجماع والفدى والسبي ، وذكر في الباب أربعة أحاديث وبين في كلِّ حديثٍ حُكْمَ كلِّ واحد منها غير البيع ، وهو أيضاً مذكور في حديث أبي هريرة في بعض طرقه ، كما سيجيء بيانه إن شاء الله تعالى ، ومفعولات : وهب وباع وجامع وفدى محذوفة . قوله : ( وسبى ) ، عطف على قوله : ملك ( والذرية ) نسل الثقلين ، يقال : ذرا الله الخلق ، أي : خلقهم وأراد البخاري بعقد هذه الترجمة بيان الخلاف في استرقاق العرب ، والجمهور على أن العربي إذا سبي جاز أن يسترق ، وإذا تزوج أمة بشرطه كان ولدها رقيقاً تبعاً لها ، وبه قال مالك والليث والشافعي ، وحجتهم أحاديث الباب ، وبه قال الكوفيون : وقال الثوري والأوزاعي وأبو ثور : يلزم سيد الأمة أن يقومه على أبيه ويلتزم أبوه بأداء القيمة ، ولا يسترق ، وهو قول سعيد بن المسيب ، واحتجوا بما روي عن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، أنه قال لابن عباس : لا يسترق ولد عربي من أبيه ، وقال الليث : أما ما روي عن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، من فداء ولد العرب من الولائد ، إنما كان من أولاد الجاهلية ، وفيما أقر به الرجل من نكاح الإماء فأما اليوم فمن تزوج أمة وهو يعلم أنها أمة ، فولده عبد لسيدها عربياً كان أو قريشياً أو غيره . وقوْلِهِ تعالى : * ( ضرَبَ الله مَثَلاً عبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ومَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وجَهْرَاً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لله بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) * ( النحل : 57 ) . وقوله ، بالجر عطف على قوله : ( من ملك ) ، لأنه في محل الجر بالإضافة ، وفيه التقدير المذكور ، وهو : باب في بيان من ملك العرب ، وفي ذكر قول الله تعالى : * ( ضرب الله مثلاً ) * ( النحل : 57 ) . وفي بعض النسخ : وقول الله تعالى . قيل : وجه مناسبة الآية للترجمة من جهة أن الله تعالى أطلق العبد المملوك ولم يقيده بكونه عجمياً ، فدل على أن لا فرق في ذلك بين العربي والعجمي . قوله : * ( ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً ) * ( النحل : 47 ) . لما نهى الله تعالى المشركين عن ضرب الأمثال بقوله : قبل هذه الآية : * ( فلا تضربوا لله الأمثال ) * ( النحل : 47 ) . أي : الأشباه والأشكال ، إن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة ، علمهم كيف يضرب الأمثال ، فقال : مثلكم في إشراككم بالله الأوثان من سوَّى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف ، وبين حر مالك قد يرزقه الله مالاً ، ويتصرف فيه وينفق كيف يشاء . قوله : ( عبداً مملوكاً ) إنما ذكر المملوك ليمين بينه وبين الحر ، لأن اسم العبد يقع عليهما إذ هما من عباد الله تعالى . قوله : ( لا يقدر على شيء ) أي : لا يملك ما بيده وإن كان باقياً معه ، لأن للسيد انتزاعه منه ويخرج منه المكاتب والمأذون له ، لأنهما يقدران على التصرف . فإن قلت : من ، في * ( ومن رزقناه ) * ( النحل : 57 ) . ما هي ؟ قلت : الظاهر أنها موصوفة كأنه قيل : وحراً رزقناه ليطابق عبداً ، ولا يمتنع أن تكون موصولة ، وإنما قال : هل يستوون ، بالجمع ، لأن المعنى : هل يستوي الأحرار والعبيد ، فالمراد الشيوع في الجنس لا التخصيص ، ثم قال : * ( الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) * ( النحل : 57 ) . أن الحمد لي وجميع النعم مني . ثم اعلم أن المفسرين اختلفوا في معنى هذه الآية ، فقال مجاهد والضحاك : هذا المثل لله تعالى ومن عبد دونه ، وقال قتادة : هذا المثل للمؤمن والكافر ، فذهب إلى أن العبد المملوك هو الكافر ، لأنه لا ينتفع في الآخرة بشيء من عمله . قوله : * ( ومن رزقناه منَّا رزقاً حسناً ) * ( النحل : 57 ) . هو المؤمن .