العيني
70
عمدة القاري
شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : إنه استخلفه على المدينة عام تبوك ، روى عنه جابر وآخرون ، اعتزل الفتنة وأقام بالربذة ومات بالمدينة في صفر سنة ثلاث وأربعين ، وقيل : سنة سبع وأربعين وهو ابن سبع وسبعين سنة ، وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ أمير المدينة . والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغاوي عن علي بن عبد الله وفي الجهاد عن قتيبة وعبد الله بن محمد فرقهما . وأخرجه مسلم في المغازي عن إسحاق بن إبراهيم وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري . وأخرجه أبو داود في الجهاد عن أحمد بن صالح ، وأخرجه النسائي في السير عن عبد الله ابن محمد بن عبد الرحمن . ذكر معناه : قوله : ( من لكعب بن الأشرف ) أي : من يتصدى لقتله ، وقال ابن إسحاق كان كعب بن الأشرف من طي ثم أحد بني نبهان حليف بني النضر ، وكانت أمه من بني النضر ، واسمها عقيلة بنت أبي الحقيق ، وكان أبوه قد أصاب دماً في قومه ، فأتى المدينة فنزلها ، ولما جرى ببدر ما جرى قال : ويحكم ! أحق هذا ؟ وأن محمداً قتل أشراف العرب وملوكها ، والله إن كان هذا حقاً فبطن الأرض خير من ظهرها ، ثم خرج حتى قدم مكة فنزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي ، وعنده عاتكة بنت أسد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس ، فأكرمه المطلب فجعل ينوح ويبكي على قتلى بدر ، ويحرض الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينشد الأشعار ، فمن ذلك ما حكاه الواقدي من قصيدة عينية طويلة من الوافر أولها : * طحنت رحى بدر بمهلك أهله * ولمثل بدر تستهل وتدمع * * قتلت سراة الناس حول خيامهم * لا تبعدوا أن الملوك تصرع * فأجابه حسان بن ثابت ، رضي الله تعالى عنه ، فقال : * أبكاه كعب ثم عل بعبرة * منه وعاش مجدعاً لا تسمع * * ولقد رأيت ببطن بدر منهم * قتلى تسح لها العيون وتدمع * إلى آخرها . . . وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( من لكعب بن الأشرف ؟ ) . وقال الواقدي : كان كعب شاعراً يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ويظاهر عليهم الكفار ، ولما أصاب المشركين يوم بدر ما أصابهم اشتد عليه . قوله : ( فقال محمد بن مسلم : أنا ) ، أي : أنا له ، أي : لقتله يا رسول الله . واختلفوا في كيفية قتله على وجهين : أحدهما لما ذكره البخاري ومسلم أيضاً في : باب قتل كعب بن الأشرف ، في كتاب المغازي ، وهو قوله : قال : يا رسول الله ! أتحب أن أقتله ؟ قال : نعم ، قال : إئذن لي أن أقول شيئاً ، قال : قل . . . إلى آخر الحديث ، ينظر هناك . والوجه الثاني : ما ذكره محمد بن إسحاق وغيره : لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من لكعب ؟ ) قال محمد بن مسلمة : أنا ، فرجع محمد بن مسلمة فأقام ثلاثاً لا يأكل ولا يشرب ، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعاه فقال : ما الذي منعك من الطعام والشراب ؟ فقال : لأني قلت قولا ولا أدري أفي به أم لا . فقال : ( إنما عليك الجهد ) ، فقال : يا رسول الله ! لا بد لنا أن نقول قولاً ، فقال : ( قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك ) . وقال محمد بن إسحاق : فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة الأشهلي ، وكان أخاً لكعب من الرضاعة وعباد بن بشر بن وقش الأشهلي وأبو عبس بن حبر أخو بني حارثة والحارث بن أوس ، وقدموا إلى ابن الأشرف قبل أن يأتوا سلكان بن سلامة أبا نائلة ، فجاء محمد بن مسلمة إلى كعب فتحدث معه ساعة وتناشدا شعراً ، ثم قال : ويحك يا ابن الأشرف ؟ إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك ، فاكتم علي . قال : أفعل . قال : كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء ، عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة ، وقطعت عنا السبل حتى جاع العيال وجهدت الأنفس ، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا ، فقال : أنا والله قد أخبرتكم أن الأمر سيصير إلى هذا ، ثم جاءه من ذكرناهم ، فقال له سلكان : إني أردت أن تبيعنا طعاماً ونرهنك ونوثقك ونحسن في ذلك ، فقال : أترهنوا في أبنائكم ؟ قال : لقد أردت أن تفضحنا ، أن معنى أصحاباً على مثل رأيي ، وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم ونحسن في ذلك ، ونرهنك من الحلقة ، يعني : السلاح ، ما فيه وفاء . فقال كعب : إن في الحلقة لوفاء ، فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم ، فأخذوا السلاح وخرجوا يمشون ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم إلى البقيع يدعو لهم ، وقال : انطلقوا