العيني

29

عمدة القاري

وفيه مقال ، وقال شيخنا : ما قاله ابن العربي مردود ، فالسدي هو الكبير واسمه إسماعيل بن عبد الرحمن وثقه يحيى بن سعيد القطان ، وأحمد والنسائي وابن عدي ، واحتج به مسلم . قلت : قول الترمذي هذا أصح من حديث الليث ، يدل على أن حديث الليث أيضاً صحيح ، ولكن حديث السدي أصح . والظاهر أنه لم يصرح بصحته لأجل الليث ، واسم أبي طلحة : زيد بن سهل الأنصاري ، وقال جمهور العلماء ، منهم الشافعي : إن الأمر بكسر الدنان محمول على الندب . وقيل : لأنها لا تعود تصلح لغيره لغلبة رائحة الخمر وطعمها ، والظاهر أنه أراد بذلك الزجر ، قال شيخنا ، رحمه الله تعالى : يحتمل أنهم لو سألوه أن يبقوها ويغسلوها لرخص لهم . وإن كان الدن لذمي فعندنا يضمن بلا خلاف بين أصحابنا ، لأنه مال متقوم في حقهم ، وعند الشافعي وأحمد : لا يضمن لأنه غير متقوم في حق المسلم ، فكذا في حق الذمي . وإن كان الدن لحربي فلا يضمن بلا خلاف إلاَّ إذا كان مستأمناً . قوله : ( أو تخرق ) ، بالخاء المعجمة على صيغة المجهول ، عطف على قوله : ( هل تكسر الدنان ؟ ) . والزقاق ، بكسر الزاي : جمع زق جمع الكثرة ، وجمع القلة أزقاق ، وفيه أيضاً الخلاف المذكور فإن كان شق زق الخمر لمسلم يضمن عند محمد وأحمد في رواية ، وعند أبي يوسف لا يضمن لأنه من جملة الأمر بالمعروف . وقال مالك : زق الخمر لا يطهره الماء لأن الخمر غاص في داخله ، وقال غيره : يطهره ، ويبنى على هذا الضمان وعدمه ، والفتوى على قول أبي يوسف خصوصاً في هذا الزمان ، وقد روى أحمد من حديث ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، قال : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم شفرة وخرج إلى السوق وبها زقاق خمر جلبت من الشام ، فشق بها ما كان من تلك الزقاق . قوله : ( فإن كسر صنماً ) ، وفي بعض النسخ : وإن كسر ، بالواو ، وفي بعضها : وإذا كسر ، وعلى تقدير جواب الشرط محذوف تقديره : هل يجوز ذلك أم لا ؟ أو هل يضمن أم لا ؟ وإنما لم يصرح بذكر الجواب لمكان الخلاف فيه أيضاً . فقال أصحابنا : إذا أتلف على نصراني صليباً فإنه يضمن قيمته صليباً . يعني : حال كونه صليباً لا حال كونه صالحاً لغيره ، لأن النصراني مقر على ذلك ، فصار كالخمر التي هم مقرون عليها . وقال أحمد : لا يضمن ، وقال الشافعي : إن كان بعد الكسر يصلح لنفع مباح لا يضمن ، وإلاَّ لزمه ما بين قيمته قبل الكسر وقيمته بعده ، لأنه أتلف ما له قيمة . وقال ابن الأثير : الصنم ما يتخذ إلهاً من دون الله ، وقيل : ما كان له جسم أو صورة ، وإن لم يكن له جسم ولا صورة فهو وثن . وقال في باب الواو : الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي يعمل وينصب ويعبد ، والصنم الصورة بلا جثة ، ومنهم من لم يفرق بينهما ، وأطلقهما على المعنيين ، وقد يطلق الوثن على غير الصورة . قوله : ( أو طنبور ) ، بضم الطاء وقد يفتح والضم أشهر ، وهو آلة مشهورة من آلات الملاهي ، وهو فارسي معرب . قوله : ( أو ما لا ينتفع بخشبه ) قال الكرماني : يعني : أو كسر شيئاً لا يجوز الانتفاع بخشبه قبل الكسر ، كآلات الملاهي المتخذة من الخشب ، فهو تعميم بعد تخصيص ، ويحتمل أن يكون : أو ، بمعنى : إلى أن ، يعني : فإن كسر طنبوراً إلى حد لا ينتفع بخشبه ولا ينتفع بعد الكسر ، أو عطف على مقدر ، وهو : كسراً ينتفع بخشبه أي : كسر كسراً ينتفع بخشبه ولا ينتفع بعد الكسر . انتهى . وقال بعضهم : ولا يخفى تكلف هذا الأخير وبعد الذي قبله . انتهى . قلت : الكرماني جعل لكلمة : أو ، هنا ثلاث معان . منها : أن يكون للعطف على ما قبله ، فيكون من باب عطف العام على الخاص . ومنها : أن يكون بمعنى : إلى أن ، كما في قولك : لألزمنك أو تقضيني حقي ، وينتصب المضارع بعدها ، وهو كثير في كلام العرب ، ولا بعد فيه . ومنها : أن يكون معطوفاً على شيء مقدر ، وهذا أيضاً باب واسع فلا تكلف فيه ، وإنما يكون التكلف في موضع يؤتى بالكلام بالجر الثقيل . والكلام في هذا الفصل أيضاً على الخلاف والتفصيل ، فقال أصحابنا : من كسر لمسلم طنبوراً أو بربطاً أو طبلاً أو مزماراً أو دفاً فهو ضامن ، وبيع هذه الأشياء جائز عند أبي حنيفة ، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي ومالك وأحمد : لا يضمن ولا يجوز بيعها ، وقال أصحاب الشافعي عنه بالتفصيل : إن كان بعد الكسر يصلح لنفع مباح يضمن ، وإلاَّ فلا ، وعن بعض أصحابنا : الاختلاف في الدف والطبل الذي يضرب للهو ، وأما طبل الغزاة والدف الذي يباح ضربه في العرس فيضمن بالاتفاق . وفي ( الذخيرة ) للحنفية : قال أبو الليث : ضرب الدف في العرس مختلف فيه ، فقيل : يكره ، وقيل ) لا . وأما الدف الذي يضرب في زماننا مع الصنجات والجلاجلات فمكروه بلا خلاف .