العيني
27
عمدة القاري
( ولا يشرب ) ، وقوله : ( ولا يسرق ) ، قوله : ( ولا ينتهب ) ، في محل المفعولية لقوله : ( ويلحق ) ، على سبيل الحكاية ، وقال النووي : ظاهر هذا أنه من كلام أبي هريرة موقوف عليه ، ولكن جاء في رواية أخرى تدل على أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وجمع الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بما يؤول إليه ملخص كلامه : أن معنى قول أبي هريرة : يلحق معهن ولا ينتهب . . . إلى آخره ، يعني يلحقها رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا من عند نفسه ، واختصاص أبي بكر بهذا لكونه بلغه أن غيره لا يرويها . قوله : ( ذات شرف ) ، في الأصول المشهورة المتداولة بالشين المعجمة المفتوحة ، ومعناه : ذات قدر عظيم ، وقيل : ذات استشراف ، ليستشرف الناس لها ناظرين إليها رافعين أبصارهم . وقال القاضي عياض : ورواه إبراهيم الجويني بالسين المهملة ، وقال الشيخ أبو عمرو : وكذا قيده بعضهم في كتاب مسلم ، وقال : معناه أيضاً : ذات قدر عظيم . فإن قلت : يعارض هذا الحديث حديث أبي ذر : من قال لا إلاه إلاَّ الله . . . دخل الجنة ، وإن زنى وإن سرق ، والأحاديث التي نظائره مع قوله تعالى : * ( أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * ( آل عمران : 611 ) . مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر ، غير الشرك لا يكفرون بذلك ؟ قلت : هذا الذي دعاهم إلى أن قالوا هذه الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء يراد نفي كماله ، كما يقال : لا علم إلاَّ بما نفع ، ولا مال إلا الإبل ، ولا عيش إلاَّ عيش الآخرة ، ثم إن مثل هذا التأويل ظاهر شائع في اللغة يستعمل كثيراً ، وبهذا يحصل الجمع بينه وبين ما ذكر من الحديث والآية ، وتأوله بعض العلماء على من فعل ذلك مستحلاً مع علمه بورود الشرع بتحريمه . وعنْ سَعيدٍ وأبي سلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ إلاَّ النُّهْبَةَ سعيد هو ابن المسيب ، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف ، وأشار بهذا إلى أن سعيداً وأبا سلمة رويا هذا الحديث المذكور مثل ما ذكر ، إلاَّ النهبة ، يعني : لم يذكرا حكم الانتهاب ، بل ذكر الزنا والسرقة والشرب فقط . وقد ذكرنا آنفاً عن مسلم أنه أخرج في حديثه : وقال ابن شهاب : حدثني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بمثل حديث أبي بكر هذا إلاَّ النهبة . وذكر مسلم أيضاً من طريق الأوزاعي أن الزهري روى عن ابن المسيب وأبي سلمة وأبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم . . . الحديث وفيه : وذكر النهبة ولم يقل ذات شرف . قال الفِرَبْرَيُّ وجدْتُ بِخَطِّ أبِي جَعْفَرٍ قال أبو عَبْدِ الله تفْسِيرُهُ أنْ يُنْزَعَ مِنْهُ يُرِيدُ الإيمانَ الفربري ، هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الراوي عن البخاري وأبو جعفر هو ابن أبي حاتم ، ورَّاق البخاري وأبو عبد الله هو البخاري نفسه . قوله : ( تفسيره ) ، أي : تفسير قوله : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) ، أن ينزع منه نور الإيمان ، والإيمان هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان ونوره الأعمال الصالحة والاجتناب عن المعاصي ، فإذا زنى أو شرب الخمر أو سرق يذهب نوره ويبقى صاحبه في الظلمة ، والإشارة فيه إلى أنه لا يخرج عن الإيمان . قيل : إن في هذا الحديث تنبيهاً على جميع أنواع المعاصي والتحذير منها . فنبه بالزنا على جميع الشهوات وبالخمر على جميع ما يصد عن الله تعالى ويوجب الغفلة عن حقوقه ، وبالسرقة على الرغبة في الدنيا والحرص على الحرام ، وبالنهبة على الاستخفاف بعباد الله تعالى وترك توقيرهم والحياء منهم ، وجمع الدنيا من غير وجهها ، والله تعالى أعلم . 13 ( ( بابُ كَسْرِ الصَّلِيبِ وقَتْلِ الخِنْزِيرِ ) ) أي : هذا باب في بيان الإخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر عن كسر عيسى بن مريم ، عليهما الصلاة والسلام ، عند نزوله صلبان النصاري وأوثان المشركين وقتل خنازير الكل ، وليس المراد من هذه الترجمة الإشارة إلى جواز كسر صليب النصارى وقتل خنازير أهل الذمة ، فإنا أمرنا بتركهم وما يدينون ، وأما كسر صليب أهل الحرب وقتل خنازيرهم فهو جائز ولا شيء على فاعله ، والصليب هو المربع المشهور للنصارى من الخشب ، يزعمون أن عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، صلب على خشبة