العيني

117

عمدة القاري

1 ( ( بابُ المُكَاتَبِ ونُجومِهِ في كلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ ) ) أي : هذا باب في بيان أمر المكاتب ، وأمر نجومه ، وهو جمع نجم ، وهو في الأصل : الطالع ، ثم سمي به الوقت ، ومنه قول الشافعي : أقل التأجيل نجمان ، أي : شهران ، ثم سمي به ما يؤدى به من الوظيفة ، يقال : دين منجم ، جعل نجوماً ، وقال الرافعي : النجم في الأصل الوقت ، وكانت العرب يبنون أمورهم على طلوع النجم لأنهم لا يعرفون الحساب ، فيقول أحدهم : إذا طلع نجم الثريا أديت حقك ، فسميت الأوقات نجوماً ، ثم سمى المؤدى في الوقت نجماً ، وقيل : أصل هذا من نجوم الأنواء ، لأنهم كانوا لا يعرفون الحساب ، وإنما يحفظون أوقات السنة بالأنواء . قوله : ( في كل سنة نجم ) ، يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون : نجم ، مرفوعاً بالابتداء ، وخبره هو قوله مقدماً : في كل سنة ، وتكون الجملة في محل الرفع على الخبرية . والوجه الثاني : يأتي على رواية النسفي أن لفظة نجم ساقطة ، وهو أن يكون قوله : في كل سنة ، نصباً على الحال من : نجومه ، وقال بعضهم : عرف من الترجمة اشتراط التأجيل في الكتابة ، وهو قول الشافعي ، بناء على أن الكتابة مشتقة من الضم ، وهو ضم بعض النجوم إلى بعض ، وأقل ما يحصل به الضم نجمان ، ثم ذكر بعد أسطر : ولم يرد المصنف أي : البخاري بقوله : في كل سنة نجم ، أن ذلك شرط فيه ، فإن العلماء اتفقوا على أنه لو وقع النجم بالأشهر جاز ، وفيه ما فيه . وقَوْلِهِ * ( والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وآتُوهُمْ مِنْ مالِ الله الَّذِي آتاكُمْ ) * ( النور : 33 ) . هذه الآية الكريمة في سورة النور . وقيل قوله : * ( والذين يبتغون وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون ) * ( النور : 23 ) . وبعده : * ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) * إلى قوله : * ( غفور رحيم ) * ( النور : 43 ) . ولما ذكر الله تعالى تزويج الحرائر والإماء والأحرار والعبيد ذكر حال من يعجز عن ذلك ، ثم قال : * ( والذين يبتغون ) * ( النور : 33 ) . أي : يطلبون ، من : البغية ، وهو الطلب . قال الزمخشري : والذين يبتغون ، مرفوع على الابتداء أو منصوب بفعل مضمر يفسره : فكاتبوهم ، كقولك : زيداً فاضربه ، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط . قوله : * ( الكتاب ) * ( النور : 33 ) . منصوب ، وأنه مفعول : يبتغون . الكتاب والمكاتبة ، كالعتاب والمعاتبة ، وهي مفاعلة بين اثنين ، وهما : السيد وعبده ، فيقال : كاتب يكاتب مكاتبة وكتاباً ، كما يقال : قاتل يقاتل مقاتلة وقتالاً ، ومعنى : يبتغون الكتاب ، أي : المكاتبة . قوله : ( فكاتبوهم ) خبر المبتدأ : الذين يبتغون . ثم إن هذا الأمر عند الجمهور على الندب ، وقال داود : على الوجوب إذا سأله العبد أن يكاتبه ، وروي ذلك عن عكرمة أيضاً . وقال عطاء : يجب عليه ، إن علم أن له مالاً ، وفي ( تفسير النسفي ) : وقيل : هو أمر إيجاب فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم منه خيراً إذا سأله ذلك بقيمته وأكثر ، وهو قول داود ومحمد بن جرير من الفقهاء ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما . واحتج من نصر هذا القول بما روى قتادة : أن سيرين سأل أنس بن مالك ، رضي الله تعالى عنه ، أن يكاتبه ، فلكأ عليه فشكاه إلى عمر ، رضي الله تعالى عنه ، فعلاه بالدرة وأمره بالكتابة على ما يجيء واحتجوا أيضاً بأن هذه الآية نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له : صبيح ، سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين ديناراً فأداها ، وقتل يوم حنين في الحرب . انتهى . قلت : سيرين ، بكسر السين المهملة مولى أنس بن مالك ، وهو من سبي عين التمر الذين أسرهم خالد بن الوليد ، رضي الله تعالى عنه ، قوله : فلكأ عليه ، أي : توقف وتباطىء ، وكذلك تلكأ . قوله : فعلاه بالدرة ، وهي بكسر الدال وتشديد الراء ، وهي الآلة التي يضرب بها . وقصة سيرين رواها ابن سعد ، فقال : أخبرنا محمد بن حميد العبدي عن معمر عن قتادة ، قال : سأل سيرين أبو محمد أنس بن مالك الكتابة فأبى أنس ، فرفع عمر بن الخطاب عليه الدرة ، وقال : كاتبه ، فكاتبه ، وقال : أخبرنا معمر بن عيسى حدثنا محمد بن عمر وسمعت محمد بن سيرين : كاتب أنس أبي على أربعين ألف درهم . وحويطب بن عبد العزى القرشي العامري أبو محمد ، وقيل : أبو الأصبع من المؤلفة قلوبهم شهد حنيناً ثم حمد إسلامه وعمَّر مائة وعشرين سنة وله رواية . وصبيح غلامه ، بفتح الصاد المهملة وكسر الباء الموحدة ، وقصته رواها سلمة ابن الفضل عن محمد بن إسحاق عن خالد عبد الله بن صبيح عن أبيه ، قال : كنت مملوكاً لحويطب ، فسألته فنزلت : * ( والذين