العيني

97

عمدة القاري

من غيره ، وكيف يقول : لأن تعلمه ليس بفرض فكيف تعليمه ؟ فإذا لم يكن تعليمه وتعلمه فرضا فلا يفرض قراءة القرآن في الصلاة . وقد أمر الله تعالى بالقراءة فيها بقوله : ( فاقرأوا ) فإذا أسلم أحد من أهل الحرب أفلا يفرض عليه أن يعلم مقدار ما تجوز به صلاته ؟ وإذا لم يجد إلاَّ أحدا ممن يقرأ القرآن كله أو بعضه ، أفلا يجب عليه أن يعلمه مقدار ما تجوز به الصلاة ؟ وقوله : وإنما الفرض المعين منه ما تقوم به الصلاة ، يدل على أن تعلمه فرض عليه ، لأنه لا يقدر على هذا المقدار إلاَّ بالتعليم ، إذ لا يقدر عليه من ذاته ، فإذا كان ما تقوم به الصلاة من القراءة فرضا عليه يكون تعلمه هذا المقدار فرضا عليه ، لأن ما يقوم به الفرض فرض ، والتعلم لا يحصل إلاَّ بالتعليم ، فيكون فرضا على كل حال ، سواء كان على التعيين أو على الكفاية ، وكيف لا يكون فرضا وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتبليغ من الله تعالى ؟ ولو كان آية من القرآن ؟ وأوجب التبليغ عليه ، صلى الله عليه وسلم : بلغوا عني ولو آية من كتاب الله تعالى . وقال الشَّعْبِيُّ لاَ يَشْتَرِطُ المُعَلِّمُ إلاَّ أنْ يُعُطى شَيْئا فلْيَقْبَلْهُ الشعبي هو عامر بن شراحيل ، ووصل تعليقه ابن أبي شيبة عن مروان بن معاوية عن عثمان بن الحارث ، قال : حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أيوب بن عائذ الطائي عنه ، وقول الشعبي هذا يدل على أن أخذ الأجر بالاشتراط لا يجوز فإن اعطى من غير شرط فإنه يجوز أخذه لأنه إمَّا هبة أو صدقة ، وليس بأجرة ، وأصحابنا الحنفية قائلون بهذا أيضا . قوله : ( إلا أن يعطى ) ، الاستثناء فيه منقطع ، معناه : لكن الإعطاء بدون الاشتراط جائز فيقبله ، ويروى : إن ، بكسر الهمزة أي : لكن إن يعطى شيئا بدون الشرط فليقبله ، وإنما كتب يعطى ، بالألف على قراءة الكسائي : * ( من يتقِ ويصبر ) * أو الألف حصلت من إشباع الفتحة . وقال الحَكَمُ لَمْ أسْمَعْ أحدا كَرِهَ أجْرَ المُعَلِّمِ الحكم ، بفتح الحاء والكاف : ابن عتيبة ، ووصل تعليقه البغوي في ( الجعديات ) : حدثنا علي بن الجعد عن شعبة سألت معاوية بن قرة عن أجر المعلم ، فقال : أرى له أجرا ، قال : وسألت الحكم ، فقال : ما سمعت فقيها يكرهه . انتهى . قلت : نفي الحكم سماعه من أخذ كراهة أجر المعلم لا يستلزم النفي عن الكل ، لأن النبيي صلى الله عليه وسلم كره لعبادة بن الصامت حين أهدى له من كان يعلمه قوسا . . . الحديث ، وقد مر عن قريب ، وقال عبد الله بن شقيق : يكره أرش المعلم ، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يكرهونه ويرونه شديدا ، وقال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون أن يأخذوا على الغلمان في الكتاب أجرا ، وذهب الزهري وإسحاق إلى : أنه لا يجوز أخذ الأجر عليه . وأعْطَى الحَسَنُ دَراهِمَ عَشْرَةً أي : أعطى الحسن البصري عشرة دراهم أجر المعلم ، ووصل تعليقه محمد بن سعد في ( الطبقات ) من طريق يحيى بن سعيد بن أبي الحسن ، قال : لما حذقت قلت لعمي : يا عماه ! إن المعلم يريد شيئا . قال : ما كانوا يأخذون شيئا . ثم قال : أعطه خمسة دراهم ، فلم أزل به حتى قال : أعطوه عشرة دراهم ، ورورى ابن أبي شيبة : حدثنا حفص عن أشعث عن الحسن أنه قال : لا بأس أن يأخذ على الكتابة أجرا ، وكره الشرط . انتهى ، والكتابة غير التعليم . ولَمْ يَرَ ابنَ سِيرينَ بأجْرِ الْقَسَّامِ بأسا . وقال كانَ يُقالُ السُّحْتُ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ وكانُوا يُعْطَوْنَ عَلى الخَرْصِ قيل : وجه ذكر القسام والخارص في هذا الباب الاشتراك في أن جنسهما وجنس تعليم القرآن والرقية واحد . انتهى . قلت : هذا وجه فيه تعسف ، ويمكن أن يقال : وقع هذا استطرادا لا قصدا ، وابن سيرين هو محمد بن سيرين ، والقسام ، بالفتح والتشديد ، مبالغة قاسم ، وقال الكرماني : القسام جمع القاسم ، فعلى قوله : القاف مضمومة . قلت : السحت ، بضم السين وسكون