العيني

76

عمدة القاري

موضعين . وفيه : أن شيخه بصري وأنه من أفراده ، وأن شعبة واسطي وعلي بن عبد الله مديني وشبابة مدائني ، وأن أبا عمران بصري . وفيه : أنه ليس لطلحة بن عبد الله في البخاري سوى هذا الحديث . وهذا الحديث من أفراده لم يخرجه مسلم ، وأخرجه البخاري أيضا في الأدب عن حجاج ، وفي الهبة عن ابن بشار . وأخرجه أبو داود في الأدب عن مسدد وسعيد بن منصور . ذكر معناه : قوله : ( أهدي ) ، بضم الهمزة من الإهداء ، وقال المهلب : وإنما أمر بالهدية إلى من قرب بابه لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها ، فإذا رأى ذلك أحب أن يشارك فيه ، وأنه أسرع إجابة لجاره عندما ينوبه من حاجة إليه في أوقات الغفلة والغرة ، فلذلك بدأ به على من بعد باب داره وإن كانت داره أقرب ، قال ابن المنذر : وهذا الحديث دال على أن اسم الجار يقع على غير الملاصق ، لأنه قد يكون له جار ملاصق وبابه من سكة غير سكته ، وله جار بينه وبين بابه قدر ذراعين وليس بملاصق ، وهو أدناهما بابا . وقد خرج أبو حنيفة عن ظاهر الحديث ، فقال : إن الجار الملاصق إذا ترك الشفعة وطلبها الذي يليه وليس له حد ولا طريق فلا شفعة له ، وعوام العلماء يقولون : إذا أوصى رجل لجيرانه أعطى اللزيق وغيره إلاَّ أبا حنيفة ، فإنه قال : لا يعطى إلاَّ اللزيق وحده . انتهى . قلت : الذي قال : خرج أبو حنيفة عن ظاهر الحديث ، خرج عن ظاهر الأدب ، ولا ينقل عن إمام مثل أبي حنيفة شيء مما قاله إلاَّ بمراعاة الأدب ، فإن الذي ينقل عنه شيئا من بعده لا يساوي مقداره ولا يدانيه لا في الدين ولا في العلم ، وأبو حنيفة لا يذهب إلى شيء إلاَّ بعد أن يحقق مدركه والسر فيه ، والأصل في النصوص التعليل ، ولا يدري هذا إلاَّ من يقف على مداركها ، والسر في وجوب الشفعة دفع الأذى من الخارج ، ولهذا قدم الشريك في نفس المبيع ، ثم من بعده الشريك في حق المبيع ، ثم من بعدهما للجار ، ولا يحصل الضرر في منع الشفعة إلاَّ للجار الملاصق لاتصال الجدران ، ووضع الأخشاب بينه وبين صاحب الملك ، ولا مناسبة بين الجار الذي له الشفعة وبين الجار الذي أوصى إليه بشء ، لأن أمر الشفعة مبني على القهر ، بخلاف الوصية . وإنما قال في الوصية لجيرانه الملاصقين لأنهم الجيران تسمية وعرفا ، وفي مذهب عوام العلماء عسر عظيم ، بل لا يحصل فيه فائدة على قول من يقول : أهل المدينة كلهم جيران ، وفي ( مراسيل ) أبي داود : عن ابن شهاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربعون دارا جار . قال يونس : قلت لابن شهاب : وكيف أربعون دارا ؟ قال أربعون عن يمينه وعن يساره وخلفه وبين يديه . وعن الحسن أربعون من هنا وأربعون من جوانبها الأربع أربعون أربعون أربعون ، ولو فرضنا أن شخصا من أهل مصر أوصى بثلث ماله لجيرانه ، فخرج ثلث ماله عشرة دراهم مثلاً ، فعلى قول الحسن يعطى هذه العشرة لمائة وعشرين نفسا ، فيحصل لكل واحد ما ليس فيه فائدة ولا ينتفع به الموصى إليه ، وأما على قول : أهل المدينة كلهم جيران ، فحكمه حكم العدم ، فلا يحصل مقصود الموصي ولا مقصود الموصى لهم . فإذا قلنا : الجيران هم الملاصقون لا يفوت شيء من ذلك ويحصل مقصود الموصي من ذلك أيضا . وقال ابن بطال : لا حجة في هذا الحديث لمن أوجب الشفعة بالجوار ، لأن عائشة إنما سألت عمن تبدأ به من جيرانها بالهدية ، فأخبرها بأن من قرب أولى من غيره . انتهى . قلت : إنما كان مراد ابن بطال من هذا الكلام التسميع للحنفية فهم ما احتجوا به ، ولئن سلمنا أنهم احتجوا به فلهم ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن الأقرب أولى ، فالجار الملاصق أقرب من غيره فيكون أحق من غيره ، ولا سيما بأنه باب الإكرام وباب الإهداء على التعهد والتفضل والإحسان . قوله : ( قال إلى أقربهما منك بابا ) أي : قال صلى الله عليه وسلم : إلى أقرب الجارين من حيث الباب ، وهنا استعمل أفعل التفضيل بوجهين ، مع أنه لا يستعمل إلاَّ بأحد الوجوه الثلاثة ، لأنه لم يستعمل إلاَّ بالإضافة . وأما كلمة : من ، فهي من صلة القرب ، كما يقال : قرب من كذا . وفيه : افتقاد الجيران بإرسال شيء إليهم ، ولا سيما إذا كانوا فقراء وفيهم أغنياء ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم ببيت شبعان وجاره طاوٍ ) وقد أوصى الله تعالى بالجار . فقال : * ( والجار ذي القربى والجار الجنب ) * ( النساء : 63 ) . وقال ، صلى الله عليه وسلم : ( ما زال جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) .