العيني

72

عمدة القاري

رواه الشافعي وغيره ، ورواه أبو عاصم والماجشون عنه فوصله بذكر أبي هريرة . أخرجه البيهقي ، ورواه ابن جريج عن الزهري كذلك لكن قال عنهما أو عن أحدهما أخرجه أبو داود ، قلت : هذا مما يضعف حجة من احتج به في اختصاص ثبوت الشفعة للشريك دون الجار ، وأيضا قال ابن أبي حاتم عن أبيه : إن قوله : فإذا وقعت الحدود . . . إلى آخره ، مدرج من كلام جابر . قال بعضهم : فيه نظر ، لأن الأصل كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل . قلت : قوله : كل ما . . . إلى آخره ، غير مسلم ، لأن أشياء كثيرة تقع في الحديث وليست منه ، وأبو حاتم إمام في هذا الفن ، ولو لم يثبت عنده الإدراج فيه لما أقدم على الحكم به . وقال الكرمانيي : قال التيمي : قال الشافعي : الشفعة إنما هي للشريك ، وأبو حنيفة : للجار ، وهذا الحديث حجة عليه . قلت : سبحان الله ! هذا كلام عجيب ، لأن أبا حنيفة لم يقل : الشفعة للجار على الخصوص ، بل قال : الشفعة للشريك في نفس المبيع ، ثم في حق المبيع ثم من بعدهما للجار ، وكيف يقول : هو حجة عليه ، وإنما يكون حجة عليه إذا ترك العمل به ، وهو عمل به أولاً ثم عمل بحديث الجار ، ولم يهمل واحدا منهما ، وهم عملوا بأحدهما وأهملوا الآخر بتأويلات بعيدة فاسدة ، وهو قولهم : أما حديث : ( الجار أحق بصقبه ) ، فلا دلالة فيه ، إذ لم يقل : أحق بشفعته ، بل قال : أحق بصقبه ، لأنه يحتمل أن يراد منه بما يليه ويقرب منه ، أي : أحق بأن يتعمد ويتصدق عليه ، أو يراد بالجار الشريك . قلت : هذه مكابرة وعناد من أريحية التعصب ، وكيف يقول : إذا لم يقل : أحق بشفعته ؟ وقد وقع في بعض ألفاظ أحمد والطبراني وابن أبي شيبة : ( جار الدار أحق بشفعة الدار ) . وكيف يقبل هذا التأويل الصارف عن المعنى الوارد في الشفعة ، ويصرف إلى معنى لا يدل عليه اللفظ ؟ ويرد هذا التأويل ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث الحسن عن سمرة ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( جار الدار أحق بالدار ) ، ذكره الترمذي في : باب ما جاء في الشفعة . وقال : حديث حسن . ثم قال : وروى عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، وروى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والصحيح عند أهل العلم حديث الحسن عن سمرة ، ولا يعرف حديث قتادة عن أنس إلاَّ من حديث عيسى بن يونس ، وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ، هو حديث حسن ، وروى إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع : سمعت محمدا يقول : كلا الحديثين عندي صحيح . وقال الكرماني بعد أن قال : يراد بالجار الشريك يجب الحمل عليه جمعا بين مقتضى الحديثين . قلت : لم يكتف الكرماني بصرف معنى الجار عن معناه الأصلي إلى الشريك حتى يحكم بوجوب ذلك ، وهذا يدل على أنه لم يطلع على ما ورد في هذا الباب من الأحاديث الدالة بثبوت الشفعة للجار بعد الشريك . فإن قلت : قال ابن حبان : الحديث ورد في الجار الذي يكون شريكا دون الجار الذي ليس بشريك ، يدل عليه ما أخبرنا ، وأسند عن عمرو بن الشريد ، قال : كنت مع سعد بن أبي وقاص والمسور ابن مخرمة ، فجاء أبو رافع ، مولى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال لسعد بن مالك : إشتر مني بيتي الذي في دارك . فقال : لا إلاَّ بأربعة آلاف منجمة . فقال : أما والله لولا أني سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : ( الجار أحق بصقبه ) ما بعتكها ، وقد أعطيتها بخمسمائة دينار . قلت : هذا معارض بما أخرجه النسائي وابن ماجة عن حسين المعلم عن عمرو ابن شعيب عن عمرو بن الشريد عن أبيه : ( أن رجلاً قال : يا رسول الله : أرضي ليس فيها لأحد شرك ولا قسم إلاَّ الجوار ! فقال : الجار أحق بصقبه ) . الصقب ، بالصاد : ما قرب من الدار ، ويقال : السقب أيضا بالسين . وقال ابن دريد : سقبت الدار سقوبا وأسقبت : لغتان فصيحتان ، أي : قربت ، وأبياتهم متساقبة أي : متدانية . وفي ( الجامع ) : هو بالصاد أكثر . وفي ( المنتهى ) : الصقب ، بالتحريك : التقرب . يقال : هذا أصقب الموضعين إليك ، أي : أقربهما ، وفي ( الزاهر ) للأنباري : الصقب : الملاصقة كأنه أراد بما يليه وما يقرب منه .