العيني
58
عمدة القاري
وإنما المراد أكل ثمنه ، كما رواه أحمد في ( مسنده ) من حديث جابر عن النبي ، صلى الله عليه وسلم : أنه نهى عن ثمن الكلب وقال : طعمة جاهلية . ذكر معناه : قوله : ( نهى عن ثمن الكلب ) وهو بإطلاقه يتناول جميع أنواع الكلاب ، ويأتي الكلام فيه عن قريب . قوله : ( ومهر البغي ) وفي حديث علي : وأجر البغي ، وجاء : وكسب الأمة هو مهر البغي لا الكسب الذي تكتسبه بالصنعة والعمل ، وإطلاق المهر فيه مجاز ، والمراد ما تأخذه على زناها ، والبغي ، بفتح الباء الموحدة وكسر الغين المعجمة وتشديد الياء ، وقال ابن التين : نقل عن أبي الحسن أنه قال بإسكان الغين وتخفيف الياء ، وهو الزنا ، وكذلك البغاء بكسر الباء ممدودا ، قال الله تعالى : * ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) * ( النور : 33 ) . يقال : بغت المرأة تبغي بغاء ، والبغي يجيء بمعنى الطلب ، يقال : أبغني ، أي : اطلب لي ، قال الله تعالى : * ( يبغونكم الفتنة ) * ( التوبة : 74 ) . قال الخطابي : وأكثر ما يأتي ذلك في الشر ، ومنه الفئة الباغية من البغي وهو الظلم وأصله الحسد ، والبغي الفساد أيضا والاستطالة والكبر ، والبغي في الحديث : الفاجرة ، وأصله بغوي على وزن : فعول ، بمعنى فاعلة ، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياءً وأدغمت الياء في الياء فصار : بغي ، بضم الغين ، فأبدلت الضمة كسرة لأجل الياء ، وهو صفة لمؤنث ، فلذلك جاء بغير هاء كما يجيء إذا كانت بمعنى مفعول نحو : ركوب وحلوب ولا يجوز أن يكون بغي هنا على وزن : فعيل ، إذ لو كان كذلك للزمته الهاء كامرأة حليمة وكريمة ، ويجمع البغي على : بغايا . قوله : ( وحلوان الكاهن ) ، الحلوان ، بضم الحاء : الرشوة ، وهو ما يعطى الكاهن ويجعل له على كهانته ، تقول منه : حلوت الرجل حلوانا إذا حبوته بشيء ، وقال الهروي : قال بعضهم : أصله من الحلاوة ، شبه بالشيء الحلو ، يقال : حلوته إذا أطعمته الحلو كما يقال عسلته إذا أطعمته العسل . وقال أبو عبيد : والحلوان أيضا في غير هذا أن يأخذ الرجل من مهر ابنته لنفسه ، وهو عيب عند النساء ، وقالت امرأة تمدح زوجها : لا تأخذ الحلوان من بناتها وفي ( شرح الموطأ ) لابن زرقون : وأصل الحلوان في اللغة العطية ، قال الشاعر : * فمن رجل أحلوه رحلي وناقتييبلِّغ عني الشعر إذ مات قائله * وقال الجوهري : حلوت فلانا على كذا مالاً وأنا أحلوه حلوا وحلوانا : إذا وهبت له شيئا على شيء يفعله لك غير الأجرة ، والحلوان أيضا أن يأخذ الرجل من مهر ابنته لنفسه شيئا كما ذكرنا . والكاهن الذي يخبر بالغيب المستقبل ، والعراف الذي يخبر بما أخفي ، وقد حصل في الوجود ، ويجمع الكاهن على : كهنة وكهان ، يقال : كهن يكهن كهانة ، مثل : كتب يكتب كتابة ، إذا تكهن فإذا أردت أنه صار كاهنا قلت : كهن بالضم كهانة ، بالفتح . وقال ابن الأثير : الكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ، ويدَّعي معرفة الأسرار ، وقد كان في العرب كهنة : كشق وسطيح وغيرهما ، فمنهم من كان يزعم أن له تابعا من الجن ورئيا يلقي إليه الأخبار ، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله ، وهذا يخصونه باسم العراف ، كالذي يدعى معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما . ذكر ما يستفاد منه : وهو ثلاثة أحكام : الأول : ثمن الكلب ، احتج به جماعة على أنه لا يجوز بيع الكلب مطلقا ، المعلم وغيره ، ومما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز ، وأنه لا ثمن له ، وإليه ذهب الحسن ومحمد بن سيريين وعبد الرحمن بن أبي ليلى والحكم وحماد بن أبي سليمان وربيعة والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر ، وأهل الظاهر ، وهو إحدى الروايتين عن مالك ، وقال ابن قدامة : لا يختلف المذهب في أن بيع الكلب باطل على كل حال . وكره أبو هريرة ثمن الكلب ، ورخص في ثمن كلب الصيد خاصة جابر ، وبه قال عطاء والنخعي . واختلف أصحاب مالك ، فمنهم من قال : لا يجوز ، ومنهم من قال : الكلب المأذون في إمساكه يكره بيعه ويصح ، ولا تجوز إجارته ، نص عليه أحمد ، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي ، وقال بعضهم : يجوز ، وقال مالك في ( الموطأ ) : أكره ثمن الكلب الضاري وغير الضاري لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ، وفي ( شرح الموطأ ) لابن زرقون : واختلف قول مالك في ثمن الكلب المباح اتخاذه ، فأجازه مرة ومنعه أخرى ، وبإجازته قال