العيني

55

عمدة القاري

وابن ماجة ، وأما أبو داود فقال : إن الله حرم ، ليس فيه : ورسوله ، وقد وقع في بعض الكتب : أن الله ورسوله حرما ، بالتثنية وهو القياس ، وهكذا رواه ابن مردويه في تفسيره من طريق الليث أيضا ، والمشهور في الرواية الأولى ، ووجهه : أنه لما كان أمر الله هو أمر رسوله ، وكان النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لا يأمر إلاَّ بما أمر الله به ، كان كأن الأمر واحد . وقال صاحب ( المفهم ) : كان أصله : حرما ، لكن تأدب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجمع بينه وبين اسم الله تعالى في ضمير الاثنين ، لأن هذا من نوع ما رده على الخطيب الذي قال : ومن يعصهما فقد غوى ، فقال : بئس الخطيب أنت . قل : ومن يعص الله ورسوله ، قال : وصار هذا مثل قوله تعالى : * ( إن الله برئ من المشركين ورسوله ) * ( التوبة : 3 ) . فيمن قرأ بنصب : رسوله ، غير أن الحديث فيه تقديم وتأخير لأنه كان حقه أن يقدم : حرم ، على : رسوله ، كما جاء في الآية . وقال شيخنا : قد ثبت في ( الصحيح ) تثنية الضمير في غير حديث ، ففي الصحيحين من حديث أنس ، رضي الله تعالى عنه ، فنادى منادي رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر ، وفي رواية لمسلم : فأمر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أبا طلحة فنادى إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر ، وفي رواية النسائي : إن الله ، عز وجل ، ورسوله ينهاكم ، بالإفراد ، وروى أبو داود من حديث ابن مسعود ، رضي الله تعالى عنه : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كان إذا تشهد قال : الحمد نستعينه ، وفيه : من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه . قوله : ( فقيل : يا رسول الله ! ) ، وفي رواية عبد الحميد الآتية : فقال رجل . قوله : ( أرأيت ؟ ) أي : أخبرني عن شحوم الميتة إلى قوله : ( الناس ) ، أي : أخبرني : هل يحل بيعها ؟ لأن فيها منافع مقتضية لصحة البيع . قوله : ( فقال : لا ) ، أي : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تبيعوها ( هو حرام ) أي : بيعها حرام ، هكذا فسر بعض العلماء منهم الشافعي ، ومنهم من قال : يحرم الانتفاع بها ، فلا يجوز الانتفاع من الميتة أصلاً عندهم إلاَّ ما خص بالدليل : كالجلد إذا دبغ ، وسئل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في هذا الحديث عن ثلاثة أشياء : الأول : عن طلي السفن ، والثاني : عن دهن الجلود ، والثالث : عن الاستصباح ، كل ذلك بشحوم الميتة ، وكان سؤالهم عن بيع ذلك ظنا منهم أن ذلك جائز لما فيه من المنافع ، كما جاز بيع الحمر الأهلية لما فيه من المنافع ، وإن حرم أكلها ، فظنوا أن شحوم الميتة مثل ذلك يحل بيعها وشراؤها وإن حرم أكلها ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك ليس كالذي ظنوا ، وأن بيعها حرام وثمنها حرام إذ كانت نجسة ، نظيره الدم والخمر مما يحرم بيعها ، وأكل ثمنها ، وأما الاستصباح ودهن السفن والجلود بها فهو بخلاف بيعها وأكل ثمنها إذا كان ما يدهن بها من ذلك يغسل بالماء غسل الشيء الذي أصابته النجاسة فيطهره الماء ، هذا قول عطاء بن أبي رباح وجماعة من العلماء . وممن أجاز الاستصباح مما يقع فيه الفأرة : علي وابن عباس وابن عمر ، رضي الله تعالى عنهم ، والإجماع قائم على أنه : لا يجوز بيع الميتة والأصنام لأنه لا يحل الانتفاع بها ووضع الثمن فيها إضاعة مال ، وقد نهى الشارع عن إضاعته . قلت : على هذا التعليل إذا كسرت الأصنام وأمكن الانتفاع برضاضها جاز بيعها عند بعض الشافعية وبعض الحنفية ، وكذلك الكلام في الصلبان على هذا التفصيل . وقال ابن المنذر : فإذا أجمعوا على تحريم بيع الميتة فبيع جيفة الكافر من أهل الحرب كذلك . وقال شيخنا : استدل بالحديث على أنه لا يجوز بيع ميتة الآدمي مطلقا ، سواء فيه المسلم والكافر ، أما المسلم فلشرفه وفضله ، حتى إنه لا يجوز الانتفاع بشيء من شعره وجلده وجميع أجزائه ، وأما الكافر فلأن نوفل بن عبد الله بن المغيرة لما اقتحم الخندق وقتل ، غلب المسلمون على جسده ، فأراد المشركون أن يشتروه منهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه فخلى بينهم وبينه ، ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل السير ، قال ابن هشام : أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده عشرة آلاف درهم ، فيما بلغني عن الزهري ، وروى الترمذي من حديث ابن عباس أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم . ومنهم من استدل بهذا الحديث على نجاسة ميتة الآدمي إذ هو محرم الأكل ولا ينتفع به . قلت : عموم الحديث مخصوص بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تنجسوا موتاكم ، فإن المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا ) . رواه الحاكم في ( المستدرك ) من حديث ابن عباس ، وقال : صحيح على شرطهما ولم يخرجاه . قال القرطبي : اختلف في جواز بيع كل محرم نجس فيه منفعة : كالزبل والعذرة فمنع من ذلك الشافعي ومالك ، وأجازه الكوفيون والطبري . وذهب آخرون إلى إجازة ذلك من المشتري دون البائع ، ورأوا أن المشتري أعذر من البائع لأنه مضطر