العيني
44
عمدة القاري
الحديث بعينه ؟ قلت : لأن الحديث لم يثبت على شرطه ، انتهى ، ورد عليه بعضهم بأنه غفلة منه ، لأنه غفل عن الإشارة إلى هذا الحديث . غاية ما في الباب أنه اكتفى هنا بالإشارة إليه لاتحاد مخرجه عنده ، ففر من تكراره على صوورته بغير فائدة زائدة كما هو الغالب من عادته . انتهى . قلت : التكرار حاصل على ما لا يخفى ، مع أن ذكر هذا لا دخل له في كتاب البيوع ، ولهذا سقط هذا في بعض النسخ . 801 ( ( بابُ بَيْعِ العَبِيدِ والحَيوَانِ بالحَيَوانِ نَسيئَةً ) ) أي : هذا باب في بيان حكم بيع العبد نسيئة وبيع الحيوان بالحيوان نسيئة ، هذا تقدير الكلام ، وقوله : ( والحيوان بالحيوان ) من عطف العام على الخاص . قوله : ( نسيئة ) ، بفتح النون وكسر السين المهملة وفتح الهمزة ، أي : مؤجلاً ، وانتصابه على التمييز . وقال بعضهم : وكأنه أراد بالعبد جنس ما يستعبد فيدخل الذكر والأنثى . قلت : لا نسلم أن يكون المراد بالعبد جنس ما يستعبد ، وليس هذا موضوعه في اللغة ، وإنما هو خلاف الأمة كما نص عليه أهل اللغة ، ولا حاجة لإدخال الأنثى فيه إلى هذا التكلف والتعسف ، وقد علم أنه إذا أورد حكم في الذكور يدخل فيه الإناث إلاَّ بدليل ، يخص الذكور . واعلم أن هذه الترجمة مشتملة على حكمين . الأول : في بيع العبد بالعبد نسيئة وبيع العبد بعبدين أو أكثر نسيئة ، فإنه يجوز عند الشافعي وأحمد وإسحاق . وقال مالك : إنما يجوز إذا اختلف الجنس ، وقال أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون : لا يجوز ذلك ، وقال الترمذي : باب ما جاء في شراء العبد بالعبدين : حدثنا قتيبة أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر ، قال : ( جاء عبد يبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة ، ولا يشعر النبي صلى الله عليه وسلم أنه عبد ، فجاء سيده يريده ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( بعنيه ، فاشتراه بعبدين أسودين ، ثم لم يبايع أحدا بعد حتى يسأله : أعبد هو ؟ ثم قال : والعمل على هذا عند أهل العلم أنه لا بأس عبد بعبدين يدا بيد ) . واختلفوا فيه إذا كان نسأ وأخرجه مسلم ، وبقية أصحاب السنن . الحكم الثاني : في بيع الحيوان بالحيوان فالعلماء اختلفوا فيه ، فقالت طائفة : لا ربا في الحيوان ، وجائز بعضه ببعض نقدا ونسيئة ، اختلف أو لم يختلف ، هذا مذهب علي وابن عمر وابن المسيب ، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور . وقال مالك : لا بأس بالبعير النجيب بالبعيرين من حاشية الإبل نسيئة ، وإن كانت من نعم واحدة إذا اختلفت وبان اختلافها ، وإن اشتبه بعضها بعضا واتفقت أجناسها فلا يؤخذ منها اثنان بواحد إلى أجل ، ويؤخذ يدا بيد ، وهو قول سليمان بن يسار ، وربيعة ويحيى بن سعيد . وقال الثوري والكوفيون وأحمد : لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ، اختلفت أجناسها أو لم تختلف ، واحتجوا في ذلك بما رواه الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة . وقال الترمذي : باب ما جاء في كراهة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ، ثم روى حديث سمرة هذا وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وسماع الحسن من سمرة صحيح ، هكذا قال علي بن المديني وغيره ، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة ، وبه يقول أحمد . وقال الترمذي : وفي الباب : عن ابن عباس وجابر وابن عمر ، رضي الله تعالى عنهم . قلت : حديث ابن عمر أخرجه الترمذي في كتاب العلل : حدثنا محمد بن عمرو المقدمي عن زياد بن جبير عن ابن عمر ، قال : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ) ، وحديث جابر أخرجه ابن ماجة عن أبي سعيد الأشج عن حفص بن غياث وأبي خالد عن حجاج عن أبي الزبير عن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا بأس بالحيوان واحد باثنين يدا بيد وكرهه نسيئة ) . وحديث ابن عباس أخرجه الترمذي في العلل : حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا محمد بن حميد هو الأحمري عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ) . فإن قلت : قال البيهقي بعد تخريجه حديث سمرة : أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة ؟ قلت : قول الحافظين الكبيرين الحجتين : الترمذي وعلي بن المديني ، كافٍ في هذا ، مع أنهما مثبتان ، والبيهقي ينقل النفي فلا يفيد شيئا . فإن قلت : حديث ابن عمر قال فيه الترمذي : سألت محمدا عن هذا الحديث فقال : إنما يروى عن زياد بن جبير عن النبي صلى الله عليه وسلم