العيني

29

عمدة القاري

بعض الأعراب في وادي القرى فملكه بالقهر ، ثم باعه من يهودي ، واشترى منه يهودي آخر كما ذكرنا . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( وكان حرا ) إخبار منه بحريته في أول أمره قبل أن يخرج من دار الحرب ، والعجب من الكرماني أنه قال : قوله : ( وكان حرا ) حال من : قال ، يعني من : قال النبي صلى الله عليه وسلم ، لا من : قوله : ( كاتب ) فكيف غفل عن هذا وسأل هذا السؤال الساقط ؟ ونظير ذلك ما قاله صاحب ( التوضيح ) : ولكن ما هو في البعد مثل ما قاله الكرماني ، وهو أنه قال : فإن قلت : كيف جاز لليهودي ملك سلمان وهو مسلم ، فلا يجوز للكافر ملك مسلم ؟ قلت : أجاب عنه الطبري : بأن حكم هذه الشريعة أن من غلب من أهل الحرب على نفس غيره أو ماله ، ولم يكن المغلوب على ذلك ممن دخل في الإسلام ، فهو ملك للغالب ، وكان سلمان حين غلب نفسه لم يكن مؤمنا ، وإنما كان إيمانه تصديق النبي ، صلى الله عليه وسلم ، إذا بعث مع إقامته على شريعة عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، انتهى . ويؤيد ما ذكره الطبري أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وسمع به سلمان فذهب إليه ببعض تمر يختبره إن كان هو هذا النبي يقبل الهدية ويرد الصدقة ، فلما تحققه دخل في ذلك الوقت في الإسلام ، كما هوشرطه ، فلذلك أمره ، صلى الله عليه وسلم ، بالكتابة ليخرج من ملك مولاه اليهودي . وسُبِيَ عَمَّارٌ وصُهَيْبٌ وبِلاَلٌ مطابقته للترجمة من حيث إن أم عمار كانت من موالي بني مخزوم وكانوا يعاملون عمارا معاملة السبي ، فهذا هو السبي ، فهذا هو الوجه هنا لأن عمارا ما سبي ، على ما نذكره . وأما صهيب وبلاد فباعهما المشركون على ما نذكره ، فدخلا في قوله في الترجمة : شراء المملوك من الحربي . وقال صاحب ( التوضيح ) : قوله : ( وسبي عمار وصهيب وبلال ) يعني : أنه كان في الجاهلية يسبي بعضهم بعضا ويملكون بذلك . انتهى . قلت : هذا الكلام الذي يقرب قط من المقصود أخذه من صاحب ( التلويح ) ، وكون أهل الجاهلية سابين بعضهم بعضا لا يستلزم كون عمار ممن سبي ولا بلالد وإنما كانا يعذبان في الله تعالى حتى خلصهما الله تعالى ببركة إسلامهما ، نعم سبي صهيب وبيع على يد المشركين ، وروي عن ابن سعد أنه قال : أخبرنا أبو عامر العقدي وأبو حذيفة موسى بن مسعود ، قالا : حدثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن حمزة بن صهيب عن أبيه ، قال : إني رجل من العرب من النمر بن قاسط ، ولكني سبيت ، سبتني الروم غلاما صغيرا بعد أن عقلت أهلي وقومي وعرفت نسبي ، وعن ابن سعد : كان أباه من النمر بن قاسط ، وكان عاملاً لكسرى : فسبت الروم صهيبا لما غزت أهل فارس فابتاعه منهم عبد الله بن جدعان ، وقيل : هرب من الروم إلى مكة فحالف ابن جدعان ، فهذا يناسب الترجمة ، لأنه دخل في قوله : شراء المملوك من الحربي . وأما بلال فإن ابن إسحاق ذكر في ( المغازي ) : حدثني هشام بن عروة عن أبيه قال : مر أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه ، بأمية بن خلف وهو يعذب بلالاً ، فقال : ألا تتقي الله في هذا المسكين ؟ فقال : انقذه أنت بما ترى . فأعطاه أبو بكر غلاما أجلد منه ، وأخذ بلالاً ، فأعتقه . وقيل غير ذلك ، فحاصل الكلام أنه أيضا يناسب الترجمة ، لأنه دخل في قوله : شراء المملوك من الحربي ، أما الشراء فإن أبا بكر قايض مولاه ، والمقايضة نوع من البيوع ، وأما كونه اشترى من الحربي لأن مكة في ذلك الوقت كانت دار الحرب وأهلها من أهل الحرب ، وأما عمار فإنه كان عربيا عنسيا ، بالنون والسين المهملة ، ما وقع عليه سباء ، وإنما سكن أبوه ياسر ، مكة وحالف بني مخزوم فزوجوه سمية ، بضم السين : وهي من مواليهم ، أسلم عمار بمكة قديما ، وأبوه وأمه وكانوا ممن يعذب في الله ، عز وجل ، ( فمر بهم النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وهم يعذبون : فقال صبرا آل ياسر ، فإن موعدكم الجنة ) . وقيل أبو جهل سمية ، طعنها بحربة في قُبُلِها فكانت أول شهيد في الإسلام . وقال مسدد : لم يكن أحد أبواه مسلمان غير عمار بن ياسر ، وليس له وجه في دخوله في الترجمة إلاَّ بتعسف ، كما ذكرناه ، وقال الكرماني : قوله : سبي ، أي أسر : ولم يذكر شيئا غيره ، لأنه لم يجد شيئا يذكره ، على أن السبي هل يجيء بمعنى الأسر ؟ فيه كلام . وقال الله تعالى * ( والله فَضَّلَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى ما مَلَكَتْ أيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ ) * ( النحل : 17 ) .