العيني
280
عمدة القاري
وذكره هنا مترجماً بالمعنى ، لأن قوله : ( أدها إليه ) بعد الاستنفاق ، يدل على وجوب الرد وعلى أنه لا يملكها ، فيكون كالوديعة عنده ، والجواب الآخر : أنه أسقط هذا اللفظ من حيث اللفظ ، وذكره ضمنا من حيث المعنى ، لأن قوله : ( فإن جاء صاحبها فأدها إليه ) ، يدل على بقاء ملك صاحبها ، خلافاً لمن أباحها بعد الحول بلا ضمان ، والجوابان متقاربان ، وقد مر الكلام فيه مستقصًى . ثم إنه يستدل من قوله : ( لأنها وديعة عنده ) على أنها إذا تلفت من غير تقصير منه فإنه لا ضمان عليه ، ويدل على هذا اختياره ، كما هو قول جماعة من السلف . فإن قلت : كيف يتصور الأداء بعد الأْستنفاق ؟ قلت : بدلها يقوم مقامها ، وكيفية ذلك مع ما قالوا فيه قد مضت محررة . قوله : ( حتى احمرت وجنتاه أو احمر وجهه ) ، شك من الراوي ، والوجنتان تثنية : وجنة ، وهي ما ارتفع من الخدين ، وفيها أربع لغات : بالواو وبالهمزة وبالفتح فيهما وبالكسر أيضاً . والله أعلم . 01 ( ( بابٌ هَلْ يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ ولا يَدَعُهَا تَضِيعُ حتَّى لا يأخُذُها مَنْ لاَ يَسْتَحِقُّ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه : هل يأخذ الملتقط اللقطة ولا يدعها حال كونها تضيع بتركه إياها ؟ قوله : ( حتى لا يأخذها ) ، كذا هو بحرف : لا ، بعد : حتى ، في رواية الأكثرين ، وفي رواية ابن شبويه : حتى يأخذها ، بدون حرف : لا . وقال بعضهم : وأظن الواو سقطت من قبل : حتى ، والمعنى : لا يدعها تضيع ولا يدعها يأخذها من لا يستحق . قلت : لا يحتاج إلى هذا الظن ، ولا إلى تقدير الواو ، لأن المعنى صحيح والتقدير لا يتركها ضائعة ، ينتهي إلى أخذها من لا يستحق ، وكلمة : هل ، هنا ليست على معنى الاستفهام ، بل هي بمعنى : قد ، للتحقيق ، والمعنى : باب يذكر فيه قد يأخذ اللقطة . . . إلى آخره ، ولهذا لا يحتاج إلى جواب . وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من كره أخذ اللقطة . روى ذلك عن ابن عمر وابن عباس ، رضي الله تعالى عنهم ، وهو قول عطاء بن أبي رباح ، وروى ابن القاسم عن مالك أنه كره أخذها ، والآبق فإن أخذ ذلك وضاعت وأبق من غير تضييعه لم يضمن ، وكره أحمد أخذها أيضاً ، ومن حجتهم في ذلك ما رواه الطحاوي : حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير عن أبي مسلم الجذمي عن الجارود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ضالة المسلم حرق النار ) . وأخرجه النسائي عن عمرو بن علي عن أبي داود عن المثنى بن سعيد عن قتادة عن يزيد بن عبد الله عن أبي مسلم الجذمي عن الجارود نحوه . وأخرجه الطبراني أيضاً . قلت : سليمان بن حرب شيخ البخاري وأيوب هو السختياني . وأبو مسلم الجذمي ، بفتح الجيم والذال المعجمة : نسبة إلى جذيمة عبد القيس ، لا يعرف اسمه ، والجارود هو ابن المعلى العبدي ، واسمه : بشر ، والجارود : لقب به لأنه أغار في الجاهلية على بكر بن وائل فأصابهم وجردهم ، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر في وفد عبد القيس ، فأسلم وكان نصرانياً ، ففرح النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه وأكرمه وقربه . والضالة : هي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره ، يقال : ضل الصبي ، إذا ضاع ، وضل عن الطريق إذا حار وقد : مر الكلام فيه مرة . قوله : ( حرق النار ) ، بفتحتين وقد تسكن الراء ، وحرق النار لهيبها ، والمعنى : أن ضالة المسلم إذا أخذها إنسان ليتملكها إدته إلى النار ، وهذا تشبيه بليغ . وحرف التشبيه محذوف لأجل المبالغة ، وهو من تشبيه المحسوس بالمحسوس . وقال الحسن البصري والنخعي والثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي في قول ، وأحمد في رواية وأبو يوسف ومحمد : لا يحرم أخذ الضوال ، وعن الشافعي في قول وأحمد في رواية : ندب تركها ، وعن الشافعي في قول : يجب رفعها ، وقال ابن حزم : قال أبو حنيفة ومالك : كلا الأمرين ، مباح ، والأفضل أخذها . وقال الشافعي مرة : أخذها أفضل ، ومرة قال : الورع تركها . وأجاب الطحاوي عن الحديث المذكور أنه صلى الله عليه وسلم أراد أخذها لغير التعريف ، وقد بين ذلك ما روي عن الجارود أيضاً أنه قال : قد كنا أتينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن على إبل عجاف ، فقلنا : يا رسول الله إنا قد نمر بالحرف فنجد إبلاً فنركبها ؟ فقال : إن ضالة المسلم حرق النار ، وكان سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم عن أخذها لأن يركبوها ، لا لأن يعرفوها ، فأجابهم : بأن قال : ضالة المسلم حرق النار ، أي : إن ضالة المسلم حكمها أن تحفظ على صاحبها حتى تؤدى إلى صاحبها ، لا لأن ينتفع بها لركوب ، ولا لغير ذلك ، فبان بذلك معنى الحديث .