العيني

269

عمدة القاري

السائل عن اللقطة هو بلال ، رضي الله تعالى عنه ، وعزاه لأبي داود ، ورد عليه بعضهم بأنه ليس في نسخ أبي داود شيء من ذلك ، وفيه بُعدٌ أيضاً لأنه لا يوصف بأنه أعرابي . قلت : ابن بشكوال لم يصرح بأن الأعرابي الذي سأل هو بلال ، رضي الله تعالى عنه ، وإنما قال : السائل المذكور في رواية سليمان بن بلال ، وهو قوله : سأله رجل ، وفي رواية الترمذي : سئل النبي صلى الله عليه وسلم هو بلال ولفظ السائل أعم من الأعرابي وغيره ، وبلال وغيره ، وابن بشكوال أوضح السائل بأنه بلال ، رضي الله تعالى عنه ، فإنه كلام ليس فيه غبار ، وليس فيه بعد ، ولو صرح بقوله : الأعرابي هو بلال ، لكان ورد عليه ما قاله ، وأما عزو ابن بشكوال ذلك إلى أبي داود فليس بصحيح ، لأن أبا داود روى هذا الحديث بطرق كثيرة ، وليس فيه ما عزاه ابن بشكوال إليه ، وإنما لفظه : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة ، وليس لبلال ذكر أصلاً ، فافهم . ثم قال هذا القائل : ثم ظفرت بتسمية السائل وذلك فيما أخرجه الحميدي والبغوي وابن السكن والماوردي والطبراني ، كلهم من طريق محمد بن معن الغفاري عن ربيعة عن عقبة بن سويد الجهني عن أبيه ، قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة ، فقال : عرفها سنة ثم أوثق وعاءها . . . الحديث ، قال : وهو أولى ما فسر به هذا المبهم لكونه من رهط زيد بن خالد الجهني . انتهى . قلت : حديث سويد بن عقبة الذي يرويه عنه ابنه عقبة غير حديث زيد بن خالد ، فكيف يفسر المبهم الذي في حديث زيد بن خالد بحديث سويد ؟ ولا يلزم من كون سويد من رهط زيد أن يكون حديثهما واحداً بحسب الصورة ، وإن كانا في المعنى من باب واحد ، وأيضاً هو استبعد كلام ابن بشكوال في إطلاق الأعرابي على بلال ، وكيف لا يستبعد هنا إطلاق الأعرابي على سويد بن عقبة ؟ ولا يلزم من سؤال سويد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة أن يكون هو الأعرابي الذي في حديث زيد بن خالد . قوله : ( فسأله عما يلتقطه ) أي : عن الشيء الذي يلتقطه ، ووقع في أكثر الروايات أنه سأل عن اللقطة ، ووقع في رواية لمسلم : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة الذهب أو الورق ، وهذا ليس بقيد ، وإنما هو كالمثال ، وحكم غير الذهب والفضة كحكمهما ، ووقع في رواية لأبي داود : وسئل عن النفقة . قوله : ( عرفها ) ، بالتشديد أمر من التعريف . قوله : ( ثم احفظ عفاصها ) ، بكسر العين المهملة وتخفيف الفاء وبالصاد هو : الوعاء الذي يكون فيه النفقة ، سواء كان من جلد أو خرقة أو حرير أو غيرها ، واشتقاقه من : العفص ، وهو الثني والعطف لأن الوعاء يثنى علي ما فيه ، ووقع في ( زوائد المسند ) لعبد الله بن أحمد من طريق الأعمش عن سلمة في حديث أبي أو خرقتها ، بدل عفاصها ، ووقع في حديث أبي أيضاً : احفظ وعاءها وعددها ووكاءها ، وفي حديث زيد بن خالد : إحفظ عفاصها ووكاءها ، فأسقط ذكر العدد وزاد ذكر العفاص ، وقد اختلف في العفاص ، فذهب أبو عبيد إلى أنه ما يربط فيه النفقة ، وقال الخطابي : أصله : الجلد الذي يلبس رأس القارورة . وقال الجمهور : وهو الوعاء : قال شيخنا : قول الخطابي هو الأولى ، فإنه جمع في حديث زيد بين الوعاء والعفاص ، فدل على أنه غيره . قلت : الذي ذكره شيخنا هو في رواية الترمذي ، وفي رواية البخاري ذكر العفاص والوكاء ، والذي يقول : العفاص هو الوعاء ، هو الأولى ، ولم يجمع في حديث زيد إلاَّ العفاص والوكاء ، لأن الأصل حفظ العفاص الذي هو الوعاء . فإن قلت : في رواية الترمذي : ثم اعرف وعاءها ووكاءها وعفاصها ، فعلى ما ذكرت يكون ذكر الوعاء أو ذكر العفاص تكراراً ؟ قلت : قد ذكرت أن العفاص فيه اختلاف ، فعلى قول من فسر العفاص بالجلد الذي يلبس رأس القارورة لا يكون تكراراً . فإن قلت : ذكر العدد في حديث أبي ، ولم يذكره في حديث زيد ؟ قلت : قد جاء ذكر العدد في حديث زيد أيضاً في رواية لمسلم ، أو الظاهر أن تركه هنا بسهو من الراوي ، والله أعلم . قوله : ( فإن جاء أحد يخبرك بها ) ، جواب الشرط محذوف ، تقديره : فإن جاء أحد يخبرك باللقطة وأوصافها فأدها إليه ، وفي رواية محمد بن يوسف عن سفيان ، كما سيأتي ، فإن جاء أحد يخبرك بعفاصها ووكائها . قوله : ( وإلاَّ فاستنفقها ) ، أي : وإن لم يأت أحد بعد التعريف حولاً فاستنفقها من الاستنفاق ، وهو استفعال ، وباب الاستفعال للطلب ، لكن الطلب على قسمين : صريح وتقديري ، وههنا لا يتأتى الصريح فيكون للطلب التقديري ، كما في قولك : استخرجت الوتد من الحائط : فإن قلت : في رواية مالك كما يجيء بعد باب : ( اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة ) ، وفي رواية أبي داود ، من طريق عبد الله بن يزيد مولى المنبعث بلفظ : ( عرفها حولاً فإن جاء صاحبها فادفعها إليه ، وإلاَّ أعرف وكاءها وعفاصها ثم اقبضها في مالك ) . فرواية مالك تقتضي سبق المعرفة على التعريف ، ورواية