العيني
267
عمدة القاري
في مكة ، وقد أوضح ذلك مسلم في روايته حيث قال : قال شعبة : فسمعته بعد عشر سنين يقول : عرفها عاماً واحداً ، وكذلك صرح بذلك أبو داود الطيالسي في ( مسنده ) : يقال في آخر الحديث : قال شعبة : فلقيت سلمة بعد ذلك ، فقال : لا أدري ثلاثة أحوال أو حولاً واحداً . وقال الكرماني : قوله : ( فلقيته ) ، أي : قال سويد : لقيت أبي بن كعب بعد ذلك بمكة ، قلت : تبع في ذلك ابن بطال حيث قال : الذي شك فيه هو أبي بن كعب ، والقائل هو سويد بن غفلة ، ولكن يرد هذا ما ذكرناه عن مسلم والطيالسي . قوله : ( فقال : لا أدري ) أي : قال سلمة بن كهيل ، وهو الشاك فيه ، وعلى قول ابن بطال : الشاك هو أبي بن كعب ، والسائل منه هو سويد بن غفلة ، كما ذكرناه . ذكر ما يستفاد منه : فيه : التعريف بثلاثة أحوال ، ولكن الشك فيه يوجب سقوط المشكوك ، وهو الثلاثة . وقال ابن بطال : لم يقل أحد من أئمة الفتوى بظاهره بأن اللقطة تعرف ثلاثة أحوال ، وقد بسطنا الكلام فيه عن قريب . وفيه : الأمر بحفظ ثلاثة أشياء : وهي الوعاء والعدد والوكاء ، وإنما أمر بحفظ هذه الأشياء لوجوه من المصالح : منها : أن العادة جارية بإلقاء الوعاء والوكاء إذا فرغ من النفقة ، وأمره بمعرفته وحفظه لذلك ، ومنها : أنه إذا أمره بحفظ هذين فحفظ ما فيهما أولى . ومنها : أن يتميز عن ماله فلا يختلط به . ومنها : أن صاحبها إذا جاء بغتة فربما غلب على ظنه صدقه ، فيجوز له الدفع إليه . ومنها : أنه إذا حفظ ذلك وعرفه أمكه التعريف لها والإشهاد عليه ، وأمره ، صلى الله عليه وسلم ، بحفظ هذه الأوصاف الثلاثة ، هو على قول من يقول بمعرفة الأوصاف : يدفع إليه بغير بينة . وقال ابن القاسم : لا بد من ذكر جميعها ، ولم يعتبر أصبغ العدد ، وقول ابن القاسم أوضح ، فإذا أتى بجميع الأوصاف ، هل يحلف مع ذلك أو لا ؟ قولان : النفي لابن القاسم وتحليفه لأشهب ، ولا تلزمه بينة عند مالك ، وأصحابه ، وأحمد وداود ، وهو قول البخاري ، وبوب عليه بالباب المذكور ، وبه قال الليث بن سعد أيضاً . وقال أبو حنيفة والشافعي ، وأصحابهما : لا يجب الدفع إلاَّ بالبينة ، وتأولوا الحديث على جواز الدفع بالوصف إذا صدقه على ذلك ولم يقم البينة ، واستدل الشافعي على ذلك بقوله في الحديث الآخر : البينة على المدعي ، وهذا مدعٍ ، وقال الشافعي : ولو وصفها عشرة أنفس لا يجوز أن يقسم بينهم ، ونحن نعلم أن كلهم كاذبون إلاَّ واحداً منهم غير معين ، فيجوز أن يكون صادقاً ، ويجوز أن يكون كاذباً ، وأنهم عرفوا الوصف من الملتقط ، ومن الذي ضاعت منه ، وقال شيخنا زين : هذا معنى كلامه ، وظاهر الحديث يدل لما قال مالك والليث وأحمد ، والله أعلم . ولو أخبر طالب اللقطة بصفاتها المذكورة فصدقه الملتقط ودفعها إليه ثم جاء طالب آخر لها وأقام البينة على أنها ملكه ، فقد اتفقوا على أنها تنتزع ممن أخذها أولاً بالوصف وتدفع للثاني لأن البينة أقوى من الوصف ، فإن كان قد أتلفها ضمنها . واختلفوا : هل لمقيم البينة أن يضمن الملتقط ؟ فقال الشافعي : له تضمينه لأنه دفعه لغير مالكه . وقالت المالكية : لا يضمن لأنه فعل ما أمره به الشارع . وقال ابن القاسم : يقسم بينهما كما يحكم في نفسين ادعا شيئاً وأقاما بينة . وقال أصحابنا الحنفية : وإن دفعها بذكر العلامة ثم جاء آخر وأقام البينة بأنه له فإن كانت قائمة أخذها منه ، وإن كانت هالكة يضمن أيهما شاء ، ويرجع الملتقط على الآخذ إن ضمن ، ولا يرجع الأخذ على أحد ، وللملتقط أن يأخذ منه كفيلاً عند الدفع . وقيل : يخيَّر ، وإن دفعها إليه بتصديقه ثم أقام آخر بينة أنها له ، فإن كانت قائمة أخذها منه ، وإن كانت هالكه فإن كان دفع إليه بغير قضاء ، فله أن يضمن إيهما شاء ، فإن ضمن القابض فلا يرجع به على أحد ، وإن ضمن الملتقط فله أن يرجع به على القابض ، وللملتقظ أن يأخذ به كفيلاً ، وإن كان دفعها إليه بقضاء ضمن القابض ، ولا يضمن الملتقط لأنه مقهور ، وإن أقام الحاضر بينة أنها له فقضى بالدفع إليه ، ثم حضر آخر وأقام بينة أنها له لم يضمن . وفيه : الاستمتاع باللقطة إذا لم يجيء صاحبها واحتج بظاهره جماعة ، وقالوا : يجوز للغني والفقير إذا عرفها حولاً أن يستمتع بها ، وقد أخذها علي بن أبي طالب ، وهو : يجوز له أخذ النفل دون الفرض ، وأبي بن كعب وهو من مياسير الصحابة ، وقال أبو حنيفة : إن كان غنياً لم يجز له الانتفاع بها ، ويجوز إن كان فقيراً ، ولا يتصدق بها على غني ، ويتصدق بها على فقير أجنبياً كان أو قريباً منه ، وكذا له أن يتصدق بها على أبويه وزوجته وولده إذا كانوا فقراء . فإن قلت : ظاهر الحديث حجة عليكم ، لأنه ، صلى الله عليه وسلم ، قال لأبي : فاستمتع بها . قال : فاستمتعت ! قلت : هذا حكاية حال فلا تعم ، ويجوز أنه صلى الله عليه وسلم عرف فقره أو كانت عليه ديون ، ولئن سلمنا أنه كان غنياً ، فقال له : استمتع بها ، وذلك جائز عندنا من الإمام على سبيل العرض ، ويحتمل