العيني

27

عمدة القاري

طويل جدا فوق الطول ، وعن الأصمعي : شعر مشعان ، بتشديد النون : متنفش ، وإشعانّ الشعر اشعينانا : كاحمارّ احميرارا ، وفي ( التهذيب ) : تقول العرب : رأيت فلانا مشعانَّ الرأس إذا رأيته شعثا متنفش الرأس مغبرا ، وروى عمرو عن أبيه : أشعن الرجل إذا نامى عدوه ، فاشعان شعره . قوله : ( بيعا ؟ ) ، منصوب على المصدرية أي : أتبيع بيعا . قيل : ويجوز الرفع أي : أهذا بيع ؟ قوله : ( أم عطية ) ، بالنصب عطف على : بيعا . قوله : ( أو قال ) شك من الراوي . قوله : ( قال : لا ) أي : قال الرجل : ليس عطية ، أو : ليس هبة ( بل بيع ) أي : بل هو بيع ، وأطلق البيع عليه باعتبار ما يؤول إليه . ذكر ما يستفاد منه فيه : جواز بيع الكافر وإثبات ملكه على ما في يده ، وقال الخطابي في قوله : أم هبة ؟ دليل على قبول الهدية من المشرك لو وهب . فإن قلت : قد قال صلى الله عليه وسلم لعياض بن حمار حين أهدى له في شركه : إنا لا نقبل زبد المشركين ، يريد عطاهم . قلت : قال أبو سليمان : يشبه أن يكون ذلك منسوخا ، لأنه قبل هديه غير واحد من أهل الشرك ، أهدى له المقوقس وأكيدر دومة . قال : إلاَّ أن يزعم زاعم أن بين هدايا أهل الشرك وهدايا أهل الكتاب فرقا . انتهى . قلت : فيه نظر في مواضع . الأول : أن الزعم بالفرق المذكور يرده قول عبد الرحمن في نفس هذا الحديث : إن هذا الرجل كان مشركا ، وقد قال له : أبيع أم هدية ؟ الثاني : هدية أكيدر كانت قبل إسلام عبد الرحمن بن أبي بكر ، رضي الله تعالى عنهما ، راوي هذا الحديث ، لأن إسلامه كان في هدنة الحديبية ، وذلك في سنة سبع ، وهدنة أكيدر كانت بعد وفاة سعد بن معاذ ، رضي الله تعالى عنه ، الذي قال في حقه ، صلى الله عليه وسلم ، لما عجب الناس من هدية أكيدر : والذي نفسي بيده ، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذه ، وسعد توفي بعد غزوة بني قريظة سنة أربع في قول عقبة ، وعند ابن إسحاق : سنة خمس ، وأيّا ما كان فهو قبل إسلام عبد الرحمن ، وبَعْثُ حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس كان في سنة ست ، ذكره ابن منده وغيره ، فدل على أنه قبل هذا الحديث . الثالث : لقائل أن يقول : هذان اللذان قبل منهما هديتهما ليس سوقة ، إنما هما ملكان . فقبل هديتهما تألفا ، لأن في رد هديتهما نوع حصول شيء . الرابع : نقول : كان قبول هديتهم بإثابته عليهما ، وقوله صلى الله عليه وسلم لهذا المشرك أيضا كان تأنيسا له ، ولأن يثيبه بأكثر مما أهدى ، وكذا يقال في هدية كسرى المذكورة في كتاب الحربي من حديث علي ، رضي الله تعالى عنه ، ورد هدية عياض بن حمار وكان بينه وبين النبي ، صلى الله عليه وسلم ، معرفة قبل البعثة ، فلما بعث أهدى له فرد هديته ، وكذا رد هدية ذي الجوشن ، وكانت فرسا ، وكذا رد هدية ملاعب الأسنة ، لأنهم كانوا سوقة وليسوا ملوكا ، وأهدى له ملك أيلة بغلة ، وفروة الجذامي هدية فقبلهما وكانا ملكين ، ومما يؤيد هذا ما ذكره أبو عبيد في ( كتاب الأموال ) : أنه صلى الله عليه وسلم إنما قبل هدية أبي سفيان بن حرب لأنها كانت في مدة الهدنة ، وكذا هدية المقوقس إنما كان قبلها لأنه أكرم حاطبا وأقر بنبوته صلى الله عليه وسلم ولم يؤيسه من إسلامه ، وقبول هدية الأكيدر لأن خالدا ، رضي الله تعالى عنه ، قدم به فحقن صلى الله عليه وسلم دمه وصالحه على الجزية ، لأنه كان نصرانيا ثم خلى سبيله ، وكذا ملك أيلة لما أهدى كساه صلى الله عليه وسلم بردا له ، وهذا كله يرجع إلى أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يقبل هدية إلاَّ ويكافىء . ثم إعلم أن الناس اختلفوا فيما يهدى للأئمة ، فروي عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، أنه كان يوجب رده إلى بيت المال ، وإليه ذهب أبو حنيفة . وقال أبو يوسف : ما أهدى إليه أهل الحرب فهو له دون بيت المال ، وأما ما يهدى للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة فهو في ذلك بخلاف الناس ، لأن الله تعالى اختصه في أموال أهل الحرب بخاصة لم تكن لغيره ، قال تعالى : * ( ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ) * ( الحشر : 6 ) . بعد قوله : * ( ما أفاء الله على رسوله ) * ( الحشر : 6 ) . فسبيل ما تصل إليه يده من أموالهم على جهة الهدية والصلح سبيل الفيء يضعه حيث أراه الله ، فأما المسلمون إذا أهدوا إليه فكان من سجيته أن لا يردها بل يثيبهم عليها . وفيه : أن ابتياع الأشاء من المجهول الذي لا يعرف جائز حتى يطلع على ما يلزم التورع عنه ، أو يوجب ترك مبايعته غصب أو سرقة أو شبههما ، وقال ابن المنذر : من كان بيده شيء فظاهره أنه مالكه ، ولا يلزم المشتري أن يعلم حقيقة ملكه . واختلف العلماء في مبايعة من الغالب على ماله الحرام