العيني
227
عمدة القاري
قد جعل مكان أداء الإنسان أداء الله عنه ، ومكان إتلافه إتلاف الله له . وفيه : الحض على ترك إستئكال أموال الناس ، والترغيب في حسن التأدية إليهم عند المداينة ، لأن الأعمال بالنيات . وفيه : الترغيب في تحسين النية ، لأن الأعمال بالنيات . وفيه : أن من اشترى شيئاً بدين وتصرف فيه وأظهر أنه قادر على الوفاء ، ثم تبين الأمر بخلافه ، أن البيع لا يرد بل ينتظر به حلول الأجل لاقتصاره صلى الله عليه وسلم على الدعاء ، ولم يلزمه برد البيع . قيل : وفيه الترغيب في الدين لمن ينوي الوفاء ، وروى ابن ماجة والحاكم من رواية محمد بن علي عن عبد الله بن جعفر أنه كان يستدين ، فسئل ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله مع الدائن حتى يقضي دينه ، وإسناده حسن . وقال الداودي : وفيه : أن من عليه دين لا يعتق ولا يتصدق ، وإن فعل رد . قلت : الحديث لا يدل عليه بوجه من وجوه الدلالات . 3 ( ( بابُ أدَاءِ الدُّيُونِ ) ) أي : هذا باب في بيان وجوب أداء الديون . قوله : ( الديون ) ، بلفظ الجمع هو في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره : باب أداء الدين ، بالإفراد . وقال الله تعَالى : * ( إنَّ الله يأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلاى أهْلِها وإذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بالْعَدْلِ إنَّ الله نَعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إنَّ الله كانَ سَمِيعَاً بَصِيراً ) * ( النساء : 85 ) . ساق الأصيلي وغيره الآية كلها ، وأبو ذر اقتصر على قوله : * ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) * ( النساء : 85 ) . واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة ، وأكثرهم على أنها نزلت في شأن عثمان بن طلحة الحجبي العبدري ، سادن الكعبة حين أخذ علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، مفتاح الكعبة يوم الفتح ، ذكره ابن سعد وغيره ، وقال محمد بن كعب وزيد ابن أسلم وشهر بن حوشب : إنها نزلت في الإمراء ، يعني الحكام بين الناس . وفي الحديث : إن الله تعالى مع الحاكم ما لم يَجُرْ ، فإذا جاء وكله الله إلى نفسه . وقيل : نزلت في السلطان يعظ النساء . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : * ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) * ( النساء 85 ) . قال : يدخل فيه وعظ السلطان النساء يوم العيد ، وقال شريح ، رحمه الله لأحد الخصمين : أعط حقه ، فإن الله تعالى قال : * ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) * ( النساء : 85 ) . قال شريح : * ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) * ( البقرة : 082 ) . إنما هذا في الربا خاصة ، وربط المديان إلى سارية . ومذهب الفقهاء : إن الآية عامة في الربا وغيره ، وقال ابن عباس : الآية عامة ، قالوا هذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله ، عز وجل ، على عباده من الصلوات والزكوات والكفارات والنذور والصيام وغير ذلك ، فهو مؤتمن عليه ، ولا يطلع عليه العباد ، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض : كالودائع وغيرها ، مما يأتمنون فيه بعضهم على بعض ، فأمر الله تعالى بأدائها ، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة ، كما ثبت في الحديث الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتض للشاة الجماء من القرناء ، ثم إن البخاري أدخل الدين في الأمانة لثبوت الأمر بأدائه ، لأن الأمانة فسرت في الآية بالأوامر والنواهي ، فيدخل فيها جميع ما يتعلق بالذمة وما لا يتعلق . قوله : * ( أن تحكموا بالعدل ) * ( النساء : 85 ) . أي : بأن تحكموا بالعدل . قوله : * ( إن الله نعمَّا يعظكم به ) * ( النساء : 85 ) . قال الزمخشري : نعما يعظكم به ، إما أن تكون منصوبة موصوفة : بيعظكم به ، وإما أن تكون مرفوعة موصولة ، كأنه قيل : نعم شيئاً يعظكم به ، أو : نعم الشيء الذي يعظكم به ، والمخصوص بالمدح محذوف أي : نعم ما يعظكم به ذاك ، وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم ، وقرئ : نعما ، بفتح النون . قوله : * ( إن الله كان سميعاً بصيراً ) * ( النساء : 85 ) . هما من أوصاف الذات ، والسمع إدراك المسموعات حال وحدوثها ، وقيل : إنهما في حقه تعالى صفتان تكشف بهما المسموعات والمبصرات انكشافاً تاماً ، ولا يحتاج فيهما إلى آلة لأن صفاته مخالفة لصفات المخلوقين بالذات . فافهم .