العيني

221

عمدة القاري

يكن لهم في أرضها شيء ، وإنما هم أهل جزية ، وإنما معناه عند علمائنا : إقطاع مال من جزيتهم يأخذونه ، يقال منه : أقطع ، بالألف وأصله من القطع ، كأنه قطعه له من جملة المال ، وقد جاء في حديث بلال بن الحارث ، أخرجه أحمد من رواية كثير بن عبد الله عن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده ، ومن حديث عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقطعه معادن القبلية ، والقبلية : بفتح الباء الموحدة : نسبة إلى : قبل ، بفتح القاف والباء ، وهي ناحية من سواحل البحر بينهما وبين المدينة خمسة أيام ، وقيل : هي من ناحية الفرع ، وهو موضع بين نخلة والمدينة ، هذا هو المحفوظ . وفي كتاب ( الأمكنة ) : معادن القلبية ، بكسر القاف وبعدها لام مفتوحة ثم باء ، و : البحرين ، على صيغة التثنية للبحر ، وهي من ناحية نجد على شطر بحر فارس ، وهي ديار القرامطة ، ولها قرى كثيرة وهي كثيرة التمور . قوله : ( حتى تقطع ) ، غاية لفعل مقدر أي : لا تقطع لنا حتى تقطع لإخواننا المهاجرين . قوله : ( مثل الذي تقطع لنا ) ، وزاد في رواية البيهقي : فلم يكن ذلك عنده ، يعني : بسبب قلة الفتوح يومئذ ، وقال ابن بطال : معناه أنه لم يرد فعل ذلك ، لأنه كان أقطع المهاجرين أرض بني النضير . قوله : ( أثرة ) ، بفتح الهمزة والثاء المثلثة ، ويروى بضم الهمزة وإسكان الثاء ، وقال ابن قرقول : وبالوجهين قيده الجياني ، والوجهان صحيحان ، قال : ويقال أيضاً : أثرة ، بكسر الهمزة وسكون الثاء ، قال الأزهري : وهو الاستيثار أي : يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل عليكم غيركم ، وعن أبي علي القالي : الأثرة : الشدة . وفي الكتاب ( الواعي ) عن ثعلب : الأثرة ، بالضم خاصة : الحدب والحال غير المرضية ، وعن غيره : التفضيل في العطاء ، وجمع الأثرة : أثر . وروى الإسماعيلي : ستلقون بعدي أثرة للأنصار ، ورواها البخاري عن أسيد بن حضير في مناقب الأنصار ، وعن عبد الله بن زيد بن عاصم في غزوة الطائف ، وعن أنس بن مالك بزيادة : أثرة شديدة . فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض . وقالوا : هذا يدل على أن الخلافة لا تكون فيهم ، ألا تَرى أنه جعلهم تحت الصبر إلى يوم القيامة ؟ والصبر لا يكون إلاَّ من مغلوب محكوم عليه . ذكر ما يستفاد منه : فيه : جواز إقطاع الإمام من الأراضي التي تحت يده لمن شاء من الناس ممن يراه أهلاً لذلك ، قال الخطابي : وذهب أهل العلم إلى أن أهل العامر من الأرض للحاضر النفع والأصول من الشجر كالنخل وغيرها ، وأما المياه التي في العيون والمعادن الظاهرة : كالملح والقير والنفط ونحوها ، لا يجوز إقطاعها ، وذلك أن الناس كلهم شركاء في الملح والماء وما في معناهما مما يستحقه الأخذ له بالسبق إليه ، فليس لأحد أن يحتجرها لنفسه أو يحتظر منافعها على أحذ من شركائه المسلمين ، وأما المعادن التي لا يتوصل إلى نيلها ونفعها إلاَّ بكدوح واعتمال واستخراج لما في بطونها ، فإن ذلك لا يوجب الملك البات ، ومن اقتطع شيئاً منها كان له ما دام يعمل فيه ، فإذا قطع العمل عاد إلى أصله ، فكان للإمام إقطاعه غيره . وفيه : من أعلام نبوته ، صلى الله عليه وسلم ، حيث ما أخبره بقوله : ( سترون بعدي أثرة ) . 51 ( ( بابُ كِتَابَةِ الْقَطائِعِ ) ) أي : هذا باب في بيان كتابة القطائع لمن أقطع الإمام أرضاً من الأراضي ليكون وثيقة بيده حتى لا ينازعه أحد .