العيني
207
عمدة القاري
بنصب اللام على أنه صفة لمصدر محذوف ، أي : بلغ هذا مبلغاً مثلَ الذي بلغ بي ، وضبطه الحافظ الدمياطي بخطه بضم : مثل ، قال بعضهم : ولا يخفى توجيهه . قلت : كأنه لم يقف على توجيهه ، وهو أن يكون لفظ : هذا ، مفعول بلغ ، وقوله : مثل الذي بلغ بي ، فاعله فارتفاعه حينئذ على الفاعلية . قوله : ( فملأ خفه ) فيه محذوف قبله تقديره : ( فنزل في البئر فملأ خفه ) ، وفي رواية ابن حبان : ( فنزع أحد خفيه ) . قوله : ( ثم أمسكه بفيه ) ، أي : بفمه . وإنما أمسك خفه بفمه لأنه كان يعالج بيديه ليصعد من البئر ، فدل هذا أن الصعود منها كان عسراً . قوله : ( ثم رقي ) ، بفتح الراء وكسر القاف على مثال : صعد وزناً ومعنى ، يقال : رقيت في السلم بالكسر : إذا صعدت ، وذكره ابن التين بفتح القاف على مثال : مضى ، وأنكره . وقال عياض في ( المشارق ) : هي لغة طيىء ، يفتحون العين فيما كان من الأفعال معتل اللام ، والأول أفصح وأشهر . قوله : ( فسقى الكلب ) ، وفي رواية عبد الله بن دينار عن أبي صالح : حتى أرواه من الإرواء من الري ، وقد مضت هذه الرواية في كتاب الوضوء في : باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان فإنه أخرجه هناك : عنه إسحاق عن عبد الصمد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن رجلاً رأى كلباً يأكل الثرى من العطش ، فأخذ الرجل خفه فجعل يغرف له به حتى أرواه ، فشكر الله له حتى أدخله الجنة . قوله : فشكر الله له ، أي : أثنى عليه أو قبل عمله ، فغفر له ، فالفاء فيه للسببية ، أي : بسبب قبول عمله غفر له ، كما في قولك : إن يسلم فهو في الجنة ، أي : بسبب إسلامه هو في الجنة ، ويجوز أن تكون الفاء تفسيرية ، تفسير قوله : فشكر الله له لأن غفرانه له هو نفس الشكر ، كما في قوله تعالى : * ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ) * ( البقرة : 45 ) . على قول من فسر التوبة بالقتل ، وقال القرطبي : معنى قوله : فشكر الله له ، أي : أظهر ما جازاه به عند ملائكته ، وقال بعضهم : هو من عطف الخاص على العام . قلت : لا يصح هذا هنا ، لأن شكر الله لهذا الرجل عبارة عن مغفرته إياه ، كما ذكرناه . قوله : ( قالوا ) أي : الصحابة ، من جملتهم سراقة بن مالك ابن جعشم ، روى حديثه ابن ماجة : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا عبد الله بن نمير ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن أبيه عن عمه سراقة بن مالك بن جعشم ، قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الضالة من الإبل تغشى حياضي قد لطتها لإبلي ، فهل لي من أجر إن سقيتها ؟ فقال : نعم ، في كل ذات كبد حرى أجر . قوله : ( وإن لنا ) ، هو معطوف على شيء محذوف تقديره : الأمر كما ذكرت ، وإن لنا في البهائم أجراً ، أي : في سقيها أو في الإحسان إليها . قوله : ( في كل كبد ) ، يجوز فيه ثلاثة أوجه : فتح الكاف وكسر الباء وفتح الكاف وسكون الباء للتخفيف ، كما قالوا في الفخذ فخذ ، وكسر الكاف وسكون الباء ، وقال أبو حاتم : الكبد يذكر ويؤنث ، ولهذا قال : رطبة ، والجمع أكباد وأكبد وكبود . وقال الداودي : يعني كبد كل حي من ذوات الأنفس ، والمراد بالرطبة رطوبة الحياة أو هو كناية عن الحياة . قوله : ( أجر ) ، مرفوع على الابتداء ، وخبره مقدماً قوله : ( في كل كبد ) ، تقديره : أجر حاصل أو كائن في إرواء كل ذي كبد حي . وأبعد الكرماني في سؤاله هنا حيث يقول : الكبد ليست ظرفاً للأجر ، فما معنى كلمة الظرفية ؟ ثم قال : تقديره الأجر ثابت في إرواء أو في رعاية كل حي وجه الإبعاد : أن كل من شم شيئاً من علم العربية يعرف أن الجار والمجرور لا بد أن يتعلق بشيء ، إما ظاهراً أو مقدراً ، فإذا لم يصلح المذكور أن يتعلق به يقدر لفظ : كائن أو حاصل أو نحوهما ، فلا حاجة إلى السؤال والجواب ، ثم قال : أو الكلمة للسببية ، يعني : كلمة : في ، للسببية كما في قوله صلى الله عليه وسلم : في النفس المؤمنة مائة إبل ، أي : بسبب قتل النفس المؤمنة ، ومع هذا المتعلق محذوف ، أي : بسبب قتل النفس المؤمنة الواجب مائة إبل ، وكذلك التقدير هنا : بسبب إرواء كل كبد أجر حاصل . وقال الداودي : هذا عام في جميع الحيوانات . وقال أبو عبد الملك : هذا الحديث كان في بني إسرائيل ، وأما الإسلام فقد أمر بقتل الكلاب فيه . وأما قوله : ( في كل كبد ) ، فمخصوص ببعض البهائم مما لا ضرر فيه لأن المأمور بقتله كالخنزير لا يجوز أن يقوى ليزداد ضرره ، وكذا قال النووي : إن عمومه مخصوص بالحيوان المحترم ، وهو ما لم يؤمر بقتله فيحصل الثواب بسقيه ، ويلتحق به إطعامه وغير ذلك من وجوه الإحسان إليه . قلت : القلب الذي فيه الشفقة والرحمة يجنح إلى قول الداودي ، وفي القلب من قول أبي عبد الملك حزازة ، ويتوجه الرد على كلامه من وجوه : الأول : قوله : كان في بني إسرائيل ، لا دليل عليه ، فما المانع أن أحداً من هذه الأمة قد فعل هذا ، وكوشف للنبي صلى الله عليه وسلم بذلك وأخبره بذلك حثاً لأمته على فعل ذلك ، وصدور هذا الفعل من أحد من أمته يجوز أن يكون في زمنه ، ويجوز أن يكون بعده ، بأن يفعل أحد